الثلاثاء , سبتمبر 25 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / يحيى مختار … جبل النوبة يتحدث

يحيى مختار … جبل النوبة يتحدث

يحيى مختار … جبل النوبة يتحدث

 

«آي إرْ بُمُّو»… قالها الطفل المصري النوبي الذي وصل إلى القاهرة في العام 1943 وهو في الثامنة من العمر ولا يعرف من اللغة العربية كلمة واحدة. لم يفكر في خداع مُعلمه الذي بدأ معه لتوه دروس تعليم اللغة الجديدة، فقالها بصدق وعفوية: «آي إرْ بُمُّو»، وتعني بالعربية: «أنا لا أفهم شيئاً». منذ صغره، وجد الروائي يحيى مختار لدى نفسه إصراراً على فهم العالم الذي انتقل إليه من قريته النوبية «الجنينة والشباك». يسعى بدأب إلى المعرفة أينما وُجدت. ولا يزال، وهو في عمر الثمانين، يملك هذا الدأب الذي يدفعه لحضور مناقشات «منتدى المستقبل» الأدبية في وسط القاهرة. دائماً ما يذهب قبل الموعد، فاعتدتُ أن أفعل مثله لأحظى بالجلوس إلى جواره ومحاورته خلال تلك الدقائق، حتى إذا ما بدأ مدير الندوة في الحديث بصوت لا يصله واضحاً، قاطعه بلطف: «الصوت». فـ «العم يحيى» لا يذهب إلى تلك الفعاليات مجاملةً لهذا أو محاباةً لذاك، بل يذهب ليسمع ويفهم.

بعدما قرأتُ له روايته «جبال الكُحل»، وجدتُ نفسي أتمثله جبلاً ناجياً من فيضان السد العالي الذي غمر أراضي النوبة، وشاهداً على هوية تقاوم النسيان بالتذكر، والتذكر هنا هو ما يفعله مختار عندما يكتب، والكتابة لديه تختلف عن كتابات الكثير من كُتاب النوبة، فوعيه كروائي أكثر رحابة وإنسانية من فكرة الانتماء للعرق النوبي، فاستحق أن يكون أحد هؤلاء المبدعين الذين تحدث عنهم الناقد الراحل شكري عياد، باعتبارهم من حملة المشاعل، وكان جديراً بوصف «حارس المكان» الذي أطلقه عليه الناقد يسري عبدالله.Image result for ‫روايته «جبال الكُحل»‬‎

نشر مختار أولى قصصه «البناء» في مجلة «صوت الجامعة» في العام 1957. أخبرني بذلك مبتسماً وهو يتذكر تعليق محمد مندور الذي كان يُدرِّس له مادة الأدب: «لما قرأها، قال لي خليك في السكة دي». تمسك بنصيحة أستاذه، فرفض الانضمام إلى أسرة تحرير جريدة «أخبار اليوم»، مفضلاً عليها إدارة التوزيع، إذ يرى أن العمل الصحافي قاتل للمبدع: «لم أكن سأكتب ما أؤمن به، بل ما يرضي رئيس التحرير وتريده السلطة، ففضَّلتُ الابتعاد وإنقاذ نفسي».

في سبيل إنقاذ نفسه وأسرته بعد خروجه من المعتقل في بداية الستينات، قرر يحيى مختار الابتعاد عن السياسة والتركيز في العمل. هناك، في الزنزانة، ربما ندم على انخراطه في إحدى الحركات الشيوعية، ليس فقط لوفاة والده حزناً عليه، بل لمعاينته سلوكيات القادة الكبار، حيث رأى تهافتهم الذي أضاع فرصة تشكيل تيار واحد قوي يجمع الحركات اليسارية والشيوعية. يرفض النوبي الأصيل الحديث عن فترة اعتقاله، ويكتفي بقوله: «دي كانت خيبة».

دخل مختار امتحان السنة الأخيرة له في كلية الآداب وهو في المعتقل، وخرج منه حاملاً «شهادته العليا»، وكان في انتظاره مفاجأة طريفة، فتنفيذاً لقرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بتوظيف جميع حملة الشهادات، جاء تعيينه في مصلحة السجون. استسلم الشاب الأسمر للأمر الواقع، خصوصاً بعدما أصبح مسؤولاً عن أسرة تضم أُمّاً وخمسة من الإخوة والأخوات. بعدها بتسعة أشهر انتقل للعمل في «مُجمع للسلع الغذائية» قبل أن تقوده الأقدار إلى «أخبار اليوم».

عمل يحيى مختار مع رئيس تحرير «كتاب أخبار اليوم»، أمين عدلي، الذي منحه مهمات عدة، بدءاً من اختيار الكتب وترشيحها للنشر، ونهاية بمتابعة طباعتها وتوزيعها. أتاح له عمله تكوين علاقات واسعة مع الكثير من دور النشر، وعلى رغم ذلك، لم يستغل علاقته بأي منها لينشر مجموعته الأولى «عروس النيل»، فظلت حبيسة مكتبه 20 عاماً. برَّر لي ذلك قائلاً: «بحكم عملي كنت أتعامل مع كثير من دور النشر، ولم يخطر في بالي، ولو للحظة، أن أنشر مجموعتي الأولى في واحدة منها، فذلك بالنسبة لي كان يعني إخلالاً بالأمانة، حتى أصرَّ جمال الغيطاني على نشرها في نهاية الثمانينات، ضمن منشورات القطاع الثقافي لأخبار اليوم». الغيطاني أيضاً، وفق ما قاله يحيى مختار، ألَّحَ عليه لتقديم مجموعته تلك لجائزة الدولة التشجيعية، وبالفعل نالها في العام 1992 وهو في سن الـ56 عاماً. يضحك «العم يحيى» بتعابث طفولي رائق، وهو يتذكر تلك الجائزة: «أظن أن أعضاء اللجنة لو كانوا يعرفون سني ما كانوا قد منحوني إياها».

أهداني «العم يحيى» مجموعته القصصية «كويلا»، وهو يعتز كثيراً بقصته «ماء الحياة»: «جمال الغيطاني أبدى إعجابه بها في شكل أسعدني ولا أزال أتذكره حتى الآن، بمجرد أن انتهى من قراءتها هبَّ واقفاً وضرب بقدمه الأرض ورفع يده مانحاً إياي (تحية عسكرية)، ثم علق قائلاً: لو لم تكتب سوى تلك القصة لكانت كفيلة بجعلك كاتباً راسخاً».
كانت هناك علاقة خاصة تربط مختار بالأديبين الراحلين، جمال الغيطاني وعلاء الديب، فالأول جمعته معه زمالة العمل، والثاني كان رفيق الفصل المدرسي، ودائماً ما يأتي ذكرهما على لسانه مرتبطاً بذكريات رائقة.

قبل بدء إحدى الندوات، أسأله عن نجيب محفوظ، فيذكر مختار أنه عندما نشر له في سلسلة «كتاب أخبار اليوم» روايته «ثرثرة فوق النيل»، ذُهل وانزعج من المقابل المالي الكبير: «طلبوا مني اختيار واحدة من روايات محفوظ لنشرها، فاخترت (ثرثرة)، وكان عبدالحميد جودة السحار يطبع من الرواية الواحدة ثلاثة آلاف نسخة، بينما طبعت منها 100 ألف نسخة، بيعت جميعها، وأصبح من حق محفوظ مبلغ مالي كبير، نظير نسبته من التوزيع، حتى إنه رفض في البداية قبول (الشيك) وطلب تأجيل صرفه لمدة 3 شهور».

«ولماذا اخترت (ثرثرة) بالذات؟» أسأله، بينما يعتدل «مدير الندوة» على كرسيه ويتنحنح، إيذاناً ببدء المناقشة. يرد باقتضاب وفي عجالة وبصوت خفيض، كي لا يشوش على «المنصة»: «الرواية كان فيها هجوم على عبدالناصر ونقد للمرحلة كلها».

ينسحب «العم يحيى» عني، وهو لا يزال بجواري، يميل برأسه حيث المنصة، وكأنه يستمع لنبضات جنين في بطن أمه. لا يحب أن يقاطع أحداً أثناء حديثه، لذلك يبادر بتنبيه «صاحب الكلمة» بمجرد إلقائه تحية المساء، وقبل أن يشرع في حديثه، أن صوته لا يصله: «الصوت». يقولها بنبرة تحمل ثمانين عاماً من الخبرات والتعلم، فأشعر بأن عروق الجالسين في القاعة، أصبحت مثلي، تسري فيها طاقة من الرغبة الحقيقية في تحصيل المعرفة، وأجزم في نفسي بأن هذا الرجل الجالس بجواري كـ «جبل»، كان على حق وضمير يقظ، عندما رد على مدرس اللغة العربية، قبل أكثر من سبعين عاماً: «آي إرْ بُمُّو»

المصدر : الحياه

 

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com