الأحد , ديسمبر 17 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / وصف النوبيين بـ “الخدم والبوابين”.. متى ينتهي؟

وصف النوبيين بـ “الخدم والبوابين”.. متى ينتهي؟

كتبت : هدير حسن

 

*”مرتضى” يصف “الميرغني” بـ “البواب”.. والنوبيون يثورون

**إعلان يطلب نوبي لمهنة “أوفيس بوي” قبل سحبه.. والخليج يطلب نوبيين لوظائف “سائق وسفرجي وطباخ”

**باحث: الدولة متصالحة مع التمييز.. والحل في “المفوضية”

 

“خدام، بواب، أسود” نعوت وصفات يطلقها البعض بلا وعي على أصحاب البشرة السوداء، خاصة ذوي الأصول النوبية، في سلوك يصفه آخرون بـ “العنصرية والتمييز”، وسط ضيق وسخط من جانب أهل النوبة، جراء عقود من السخرية والاستهزاء، وصمت مطبق من جانب الدولة دون عقاب.

 

خلال الشهرين الماضيين، تجلت صور التمييز ضد النوبيين في حادثين واضحين، أحدهما ما حدث مع أحمد الميرغني، اللاعب النوبي بنادي وادي دجلة، صاحب الـ 27 عامًا، والذي تم إيقافه حتى نهاية الدوري الماضي بسبب ادلائه برأيه في أحداث سيناء في الشيخ زويد يوليو الماضي. فور نشر رأيه على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، الذي حَمَّل، من خلاله، الرئيس عبد الفتاح السيسي مسئولية استشهاد الجنود، حيث قال: “.. كل اللي بناخدوا منك كلام.. أنت فاشل ومسئول عن كل نقطة دم في البلد دي..” وجد المعلقين ينهالون عليه إما معارضين لما قال، أو مؤيدين، وهو الأمر الذي تلقاه الشخصيات العامة. ولكن تطور الأمر عندما وصف مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك، اللاعب بـ “الخدام والبواب”، في إشارة إلى أصوله النوبية، حيث قال: “مين الولد العميل ده.. ده مطرود من نادي الزمالك.. ده ياخد بالجزمة الخدام البواب ده”، وذلك في أثناء ظهور الميرغني ببرنامج “العاشرة مساء”.

 

بوست الميرغني

 

أثارت تصريحات مرتضى الكيانات النوبية، لما اعتبرته تمييزًا ضد أهل النوبة، فقال الاتحاد النوبي العام في بيان له إن مرتضى منصور سب اللاعب بشكل مباشر، ووجه له إهانات بالغة تمس سمعته والنوبيين، وأعلن الاتحاد أنه سيقاضي المحامي مرتضى منصور لقيامه بالحض على الكراهية ونشر ثقافة التمييز داخل المجتمع المصري، كما سيقوم بمقاضاة الإعلامي وائل الإبراشي وقناة دريم الفضائية لطرحهما قضايا تهدف إثارة الفوضى والبلبلة. وأوضح النادي النوبي العام بالإسكندرية أنه يتضامن مع اللاعب ابن قرية قسطل النوبية، ويقدم الدعم اللامحدود للمحامين النوبيين للرد على ما تعرض له، بينما اعتبر مسعد هركي، رئيس المؤسسة المصرية النوبية، أن الإساءة لم تطل الميرغني فقط، ولكنها طالت أهل النوبة جميعم، وقال، في بيان صحفي، إنه سيقاضي مرتضى منصور والإعلامي وائل الإبراشي لتطاولهما على أهل النوبة.

 

بوابين وسفرجية وسواقين

وتحت هاشتاج #المجد_للبوابين، قال هيثم محجوب، مصور صحفي ذو أصول نوبية، على حسابه على “فيسبوك”: “إحنا نوبيين اشتغلنا بوابين وسفرجية وسواقين.. أنا نفسي اشتغلت عامل نظافة وقهوجي ومهن مالهاش اسم ولا قيمة اجتماعية بس عشان أبقى الشخص اللي أنا عايزه، وأجزم أن كل شباب جيلي من النوبيين عملوا كده. شقيوا وطفحوا الكوتة واتغربوا عشان يأكلوها بالحلال ويساعدوا أهلهم وينجحوا”. وأضاف محجوب أن مهنة حراسة العقارات ليست مهينة وليست عار “وجزمة جدودنا في قرى النوبة اللي خدمت في البيوت والعمارات تاج على راسنا لانهم وصلونا للي احنا فيه.. فخور بالبوابين اللي عملوا كل النوبيين الدكاترة والمهندسين والضباط والمحامين ولعيبة الكورة، وحتى اللي ولادهم بوابين.. فخور أنا بحضارتي.. عايش أنا بهيبتي”.

 

وفي واقعة مشابهة جرت يونيو الماضي وطالت النوبيين أيضًا، انتشر إعلان لإحدى الشركات الاستثمارية بالإسكندرية على صفحات إحدى الجرائد بتاريخ 6 يونيو، يقول “مطلوب للعمل بالبوفيه والنظافة أوفيس بوي.. يفضل نوبي أو أفريقي”، ومنها أخذ طريقه إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أبدى كثيرون استياءهم مما اعتبروه تمييزًا، لتضطر الشركة صاحبة الإعلان لنشر اعتذار بعدها بأسابيع بنفس الجريدة تحت عنوان “النوبيين أصل مصر”.

 

الاعتذار عن الاعلان

 

فتح الإعلان الحديث حول التمييز ضد النوبيين بين مرتادي “فيسبوك”، حيث عبر الناشط النوبي حمدي سليمان، الذي يقيم بالنمسا ويمثل الجالة النوبية بالخارج، عن غضبه من صيغة الإعلان، ورفض عبر حسابه على “فيسبوك” أن يشير الإعلان إلى لون البشرة كأحد شروط التعيين، على حد قوله. وتواصلت “المندرة” مع حمدي من خلال “فيسبوك”، وقال: “مجرد تخصيص وظيفة ما ذات مستوى متدني إلى فئة ما كالنوبيين أو الأفارقة يثبت أن الإعلان به تمييزًا سلبيًا تجاه أصحاب البشرة السوداء”، مشيرًا إلى المادة الثالثة والخمسين بالدستور المصري، التي تؤكد على أن “المواطنون لدى القانون سواء.. لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة.. والتمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون..”.

 

وأوضح حمدي أنه تواصل مع الرقم الظاهر بالإعلان، وطالبهم بالاعتذار أو اللجوء لرفع دعوى قضائية ضد الشركة. وعند تواصل “المندرة” مع هذا الرقم، الذي ظل مغلقًا لأسابيع، قالت سكرتيرة تعمل بالشركة ومسئولة الإعلانات، طلبت عدم ذكر اسمها، إن الوظيفة لم تعد متاحة نظرًا للضيق الذي سببته لكثيرين، وأغلقت رقم الهاتف الظاهر بالإعلان لفترة، بعد كم المكالمات الذي انهال عليهم، وتعرضوا من خلاله للسب والعتاب، مضيفة “الشركة لم تقصد الإهانة، ولكن لأن آخر عامل عندنا كان نوبي، وكان شغله كويس جدًا، فحبينا نجيب حد زيه”، وأشارت أن الشركة تم تأسيسها منذ سنوات، ولم تكن تشترط أن يكون عامل النظافة أو البوفيه “نوبي” أو غيره.

 

وأشار متيم الجنوبي إلى ما اعتبره ظاهرة انتشرت في دول الخليج كالكويت، حيث يعمل بها غالبية الشباب النوبي، حسب قوله، في توزيع القهوة بالحفلات والتجمعات، وأصبحوا مطلوبين لهذه الوظيفة بسبب أمانتهم وصدقهم وطيبتهم. وبتجربة بسيطة أجرتها “المندرة” بالبحث على شبكة الإنترنت عن وظيفة لنوبي تجد مئات الوظائف في دول الخليج، تطلب نوبيين في مهن “سائق وسفرجي وطباخ”.

 

تشويه السينما

وما بين الإعلان والاعتذار عنه، دارت التعليقات حول ما وصفه حمدي سليمان تمييزًا ضد النوبيين يعانون منه منذ سنوات طويلة بسبب السينما المصرية، وإظهارها أن النوبيين لا يعملون إلا في مهنة سائق أو حارس عقار، حول دور السينما في ترسيخ هذه الفكرة، فقال حكيم عبد العاطي: “لا تنسى أن السينما شوهت كل شيء.. كما أظهرت أن الشخص الأسود أو النوبي يخدم في البيوت”، في حين حاول طارق رمضان أن يبرر صيغة الإعلان قائلًا: “ممكن يكون للأمانة وقوة التحمل”.

 

شخصية عم عثمان البواب النوبي تعد من أكثر الشخصيات نمطية في تصوير النوبيين في دور البواب أو الخادم في السينما، فقد عاش الفنان الراحل علي الكسار طوال حياته الفنية في تجسيد تلك الأدوار النمطية في أفلام “بواب العمارة”، و”سلفني 3 جنيه”، و”الساعة 7″، و”عثمان وعلي”.

 

وإلى جانب أعمال علي الكسار، فقد استمرت تلك الصورة النمطية في الظهور في أفلام عديدة مثل فيلم “يا حلاوة الحب” الذي كان فيه الخادم نوبيًا، وفيلم “أنت حبيبي” الذي جاء فيه الطفل النوبي خادمًا أيضًا، وكذلك فيلم “حبي الوحيد” الذي كان الخادم فيه نوبيًا أيضًا. اقرأ المزيد في 5 شخصيات أظهرتها السينما للشخصية الصعيدية.

 

تمييز مسكوت عنه

ولإيضاح ما إذا كان التمييز يقف عند حدود التعاملات اليومية الاجتماعية، أم يمتد إلى الدولة أيضًا، قال إسحاق إبراهيم، باحث بملف الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لـ “المندرة” إن الدولة لا تقف أمام ممارسات التمييز ضد المواطنين وبعضهم، سواء على أساس المستوى الاقتصادي، والتمميز بين الفقراء والأغنياء، أو على اختلاف الأديان، ويبدو أنها متصالحة مع هذا التمييز ضد النوبيين، والذي رسخته وسائل الإعلام طوال السنوات الماضية، وأضاف “التمييز ضد النوبيين مزدوج، فهم أصحاب بشرة سمراء، كما أنهم من الجنوب، الذي يعاني من تهميشه وإغفاله سواء في حقه في التنمية، وحق أبنائه في تولي المناصب وفرص العمل”.

 

وفيما يخص القوانين التي يجب أن تواجه هذا التمييز، أوضح إسحاق أن دستور 2014 ينص على إنشاء مفوضية خاصة لمكافحة التمييز، والتي يُنتظر أن يتم إنشاؤها مع انتخاب برلمان جديد، وستعمل هذه المفوضية على تنقيح القوانين المصرية من أشكال التمييز كافة، واقتراح تشريعات ترسخ للمساواة تجرم أي شكل من أشكال التفرقة والتمييز.

 

المصدر : المندره