الأحد , ديسمبر 17 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / من “ابن جليلة” إلى “ابن الذكَرَيْن”.. كُنت بترضع إزاي؟

من “ابن جليلة” إلى “ابن الذكَرَيْن”.. كُنت بترضع إزاي؟

كتب : رامي يحيى

حين قرأتُ مقال الصديقة المتميزة ياسمين الخطيب في موقع التحرير، والمُعنون بـ “ولاد المرة”، علقت عليه بأنَّ ذِكر اسم الأم عندنا في النوبة أمر عادي جدا، وذكرت اسم أمّي بلا خجل أو وجل، وأشرت إلى أنها عادة واردة مع الغزو العربي، فوصلتني رسالة من مجهول يقول فيها:

(إزيك يا ابن جليلة.. إزيك كده وإزي المرة أمك، يا ابن جليلة).الشاعر رامي يحي

طبعا هذا المجهول الجهول يقصد أن يشتمني، لكنني بقراءة رسالته عشرات المرّات لم أجد “أيّتوها شتيمة”، فأنا بالفعل “ابن جليلة”، وأنا من ذكرت ذلك لا هو من اكتشفه كسرٍّ دفين، وبالتأكيد أمّي “مَرَة”.. كأمِّه، إلا إذا كان هو نتاج زواج ذَكَرَيْن، فإذا كان، أرجوه بالطبع أن يُطلعنا على التجربة وتفاصيلها.. خصوصا أمر رضاعته.

هذا البائس يظن أن في كلماته هذه ما يجرحني، لا لشيء إلا لأنه يجهل الفرق بين الثقافات، فنحن، أبناء النوبة، لا نخجل من أسماء أمهاتنا، بل لا يزال يمكن أن نتعارف به لأنه الأكثر دقة في التحديد لدينا، فليس فقط لأن التشريعات الإسلامية الوافدة من قلب صحراء شبه الجزيرة أعطت الحق للرجل في الزواج بأكثر من امرأة، وإنما لأن المجتمع النوبي في أصله هو مجتمع أمومي، يمكن أن ينادى الإنسان باسم أمه “عادي جدا”، وهو ما حكيت نموذجا منه في تعليقي على مقال الصديقة ياسمين، حين كنتُ أنا، ابن المدينة المستعربة المتأسلمة، أمشي في أحد شوارع قريتي النوبية، أبو هور، ففوجئتُ بصوت ينادي “يا ابن جليلة”، فورا “الدم ضرب في نافوخي” واستدرت لأبدأ المعركة، فلستُ أقلَّ حِمية من “ابن فتحية”، المذكور في “ابن المَرَة”، فوجدتُ أمامي رجلا عجوزا بشوشا جدا يقف فاردا ذراعيه ومبتسما بوُدٍّ، وسارع ابن عمتي، “وهيبة”، في تهدئتي وتذكيري بأننا في البلد “مش في مصر”.

بالعودة السريعة للتاريخ نجد أن الغزو العربي للنوبة كان في القرن الـ14 الميلادي، ما يعني أنها صمدت بعد سقوط باقي مصر لمدة سبعة قرون كاملة، وبقيت النوبة حتى هذا الغزو اللعين مجتمعا أموميا تماما، لذا أظن أن الموضوع يخص العرب، لا يخص المصريين، لكن الفارق هو أن جغرافية الجزء الشمالي من مصر سمح بسقوطها في يد العرب منذ 641م، فكان الغزو الاستيطاني لمصر منذ عهد الخليفة الثاني وحتى انهيار دولة الخلافة بلا عودة.

من المؤكد أن وضع المرأة قبل وصول العرب كان أفضل بمراحل، فهي مقدَّسة في العقلية المصرية، فربَّتُهم هي إيزيس، وحين جاء المحتل الأوروبي كان متأثرا بها أصلا، فصنع “فينوس”.. وحتى من بلاد الرافدين جاءت سيرة “عشتار”، ومع ظهور المسيحية كدين جديد كانت مريم عامودا هاما من أعمدة العقيدة الجديدة، ركن متفق بين طرفي أول الصراعات المسيحية – المسيحية، الملكانيين واليعاقبة، الكاثوليك – الأرثوذكس الآن، كل هذا الإرث الثقافي يؤكد بداهة تقديسنا كمصريين للمرأة.

لكن فجأة احتل بلادنا قوم احتاجوا أوامر مباشرة من الإله حتى يتوقفوا عن وأْد بناتهم، حتى ترث المرأة ولو نصف الرجل، حتى يُعترف بها كنصف رجل، في الشهادة وفي الدِّيَة، جاءوا بهذه الأفكار متصورين أنها قمة ما وصلت إليه الإنسانية، وكل ما دونها هو “الجاهلية الأولى”.

وخلال 14 قرنا انتقلت أعداد رهيبة من العرب مُحمّلين بأفكارهم الصحراوية، غالبيتها ثقافات رديئة بل ومؤذية، ليس فقط الأفكار والعادات الذكورية التي تحط بطبيعة الحال من المرأة وتعتبرها “عورة” وذكرها مَسَبَّة”، بل جاءوا لنا أيضا بالثأر، “التار”، وبالطبع تقسيم الناس على أساس ديني والعمل على توحيدهم تحت ثقافة دينية واحدة، وهو نفسه المشروع الذي فشل فيه “إخناتون”، ونجح فيه العرب المدجّجون بالسلاح.

ولا تجعل أحدا يضحك عليك بإكليشيهات لا علاقة لها بالتاريخ، مثل:

– العرب جاءوا لمصر تلبية لاستغاثة الأقباط بهم من بطش الرومان.

فلا توجد أي رسالة ولا حتى رواية شفوية واحدة تروي قصة هذه الاستغاثة المزعومة، بل النقيض هو الموجود، فقد استغاث بعض المصريين بالرومان ليعودوا لاحتلال مصر وتخليصهم من حكم العرب، وذلك في عهد خلافة عثمان بن عفان، وولاية عبدالله بن أبي السرح على مصر، ما استدعى عودة عمرو بن العاص -بعد عزله- على رأس جيشه لمحاربة الرومان مرة ثانية.

– العرب جعلوا من مصر واحة لحرية الأديان.

راجع نص “العُهدة العمرية” لترى كمّ الإذلال الذي تعرض له المسيحيون، فما بالك بمن كانوا على ديانتهم المصرية القديمة.

صمود النوبيين أمام الجيوش العربية لمدة وصلت إلى 7 قرون، سمحت لنا بالحفاظ لمدة أطول على ثقافتنا المحترِمة للمرأة ومجتمعنا الأمومي، فلم نبدأ في فقدان ذلك سوى مع القرن الـ 14، حين تم إعلان مملكة الكنوز الإسلامية، وذلك كان عن طريق زواج رجال عرب من فتيات نوبيات، والمجتمع الأمومي ينقل السلطة من الملك إلى ابن أخته، وبهذا النظام وصل النوبيون ذوو الجانب العربي، الكنوز، إلى السُّلطة، فتم تأسيس أول مملكة إسلامية في النوبة، وبدأ فورا تحول المجتمع إلى مجتمع ذكوري.

لكن ضيق الوقت، 7 قرون فقط، وتماسك الثقافة النوبية، أدى لتنوُّب الكنوز أكثر من تعرُّبهم، أيضا مع مشروعات تخزين مياه الفيضان، أُجبر الكثير من الرجال على الهجرة شمالا بحثًا عن الرزق، ما جعل القرى تضم النساء والعجائز والأطفال، فعادت القيادة للمرأة، وأصبح من جديد اسم الأم هو مفتاح التعريف، ولو شعبيا فقط، بعد أن صار الشكل الرسمي ذكوريا.. عربيا.

 

المصدر : البديل