الخميس , يوليو 19 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / تراث و مجتمع / سمراء النيل ‏(2-6)‏ الحقيقة علي أرض قري التهجير

سمراء النيل ‏(2-6)‏ الحقيقة علي أرض قري التهجير

كتبت : منال عبيد

اقبل السفر إلي النوبة قرأت كثيرا عن مشكلة النوبيين الذين تم تهجيرهم من‏44‏ قرية كانت تقع علي ضفاف النيل‏,‏ وتسكينهم في قري بديلة يقع معظمها في جوف الصحراء‏,‏ ذكرت آراء كثيرة أن هذا هو السبب الأساسي الذي يجعلهم يطالبون بالعودة إلي الأراضي خلف السد فيما يسمونه احق العودةب‏,‏ لأن النوبي كما أجمعوا يعشق النيل الذي جاوره آلاف السنين‏.وذكرت آراء أخري أن البيوت التي تم تهجيرهم إليها صغيرة ومهدمة ويعيش بها أسر كبيرة يزيد أفرادها علي العشرة بعد أن تكاثرت أجيال وأجيال بعد التهجير, فقررت زيارة أكبر عدد من هذه القري للوقوف علي الحقيقةب
علي مدي أيام زرت عدة قري تشابهت وتماثلت حتي كدت أنسي في أي قرية أنا: قسطل, توماس وعافية, أبو سمبل, توشكي, قتة, نجع المحطة, وجزيرة سهيل.. كلها تتشابه, يجمعها الهدوء الشديد يخيم عليها فلا تسمع صوتا عاليا, والوجوه السمراء الطيبة تجلس علي مصاطب أمام البيوت المتراصة في نظام وترتيب, ستقاوم اندهاشك وأنت تبحث بعينيك عن ورقة ملقاة علي الأرض هنا أو هناك! النظافة هي أول ما سيلفت نظرك, نظافة الشوارع الترابية تخترق القرية, نظافة البيوت في ظاهرها وآثار الكنس أمامها ما زال عالقا بالتراب, نظافة البيوت من الداخل مهما كانت بسيطة الأساس, ونظافة أهل القرية وثيابهم فلا تشم رائحة رغم حرارة جو الظهيرة أحيانا.
استقبلوني جميعا بترحاب والابتسامة تعلو وجوههم رغم الشكوي, دعوني لدخول منازلهم الجميلة, البيوت واسعة لا تقل مساحة أحدها عن250 مترا, تحتوي علي ثلاث أو أربع غرف وفناء كبير مفتوح يفضي إلي دورة مياه, لفت نظري وجود مكيفات صحراوية في أغلب البيوت, قلت أداعبهم مش هقدر أتعاطف معاكم.. ناس كتير في العاصمة تتمني تيجي تعيش هنا.

توماس وعافية
وأمام أحد البيوت جمعتني جلسة انضم لها عدد كبير من أهل قرية توماس وعافية شرحوا لي مشاكلهم, قالت صابرين عابدين43 سنة, تحمل شهادة الإعدادية, تعمل عاملة نظافة في مدرسة في قرية مجاورة, تعول ابنها الوحيد بعد أن تم طلاقها: البيوت تملأها الشروخ, ومهما قمنا بترميمها تعود فتتشقق لأنها بنيت علي أرض طفلية, وأنا عاملة بـ300 جنيه أنفق معظمها علي المواصلات, فكيف أعيش في البيت تحت مطر الشتاء الذي يغرقنا من خلال الشقوق؟
يشرح سيد عبد الرحيم37 سنة مزارع المشكلة أكثر فيقول: بعض الذين هجروا لم يحصلوا علي بيت تعويض حتي الآن, والبعض الآخر كبرت أسرته ولم يعد البيت يكفي, فيقوم بشراء أرض من الحكومة بنحو100 ألف جنيه ثم يبنيها علي تكلفته الخاصة بنحو50 ألف جنيه, وهي بيوت نطلق عليها بيوت الجهود الذاتية, وأغلبها يعاني من تصدعات ولم يعد أهلها يملكون ثمن ترميمها بعد أن وضعوا فيها شقي العمر.
تكمل الحوار سمر عبد الحكيم29 سنة, مطلقة بدون أبناء قائلة: هذا غير البيوت التي بنتها الدولة كتعويضات للمهجرين فأصابها كل ذلك أيضا نتيجة البناء السريع والسيئ وعدم الإشراف أو الرقابة علي تنفيذه, وتقوم الحكومة بعمليات إحلال وتجديد لها, لكن ليست كل البيوت قد أصابها الدور.
وجاءت نجلاء الفتاة العشرينية الجميلة ترتدي الثوب النوبي الجرجار وانضمت للحديث تحكي عن دراستها لتصميم الأزياء بأحد معاهد القاهرة, وعن أحلامها في أن يصبح لها ذات يوم دار أزياء يحمل اسما نوبيا, وعندما علمت منها أنها هي أيضا مطلقة أبديت دهشتي من تزايد نسبة الطلاق في المجتمع النوبي, فأجبن جميعا لأن الأزواج في مجتمع التهجير اضطروا للسفر والعمل بالخارج لفترات تطول دون القدرة علي اصطحاب الزوجات, مما أسفر عن مشكلات كثيرة تنتهي عادة بالطلاق.

توشكي
وفي قرية توشكي التقيت مني خليل42 سنة التي رشحت نفسها كنائبة للبرلمان عن دائرتها ونافست بقوة حيث حصلت علي أصوات تفوق أضعاف ما حصل عليه المستقلون الناجحون, لكنها لم تنجح لرسوب قائمتها, مني التي تعمل في الإدارة الصحية بالقرية لم تتخل عن العمل الاجتماعي, قالت إن أهالي قري النوبة يعانون من نقص الخدمات خاصة الطبية, فالوحدات الصحية غالبا لا يوجد بها طبيب, وإن وجد فلا يوجد علاج, وفي حالات الطوارئ لابد لهم من السفر إلي مستشفي أسوان الجامعي التي تشكو هي نفسها من سوء الخدمة.
أشارت مني أيضا إلي مشكلة الطرق غير الممهدة بين القري بل وداخل القري نفسها, فلا توجد مواصلات, كما أن هناك قري ليس بها صرف صحي رغم إنفاق مئات الآلاف علي الحفر الذي يتوقف قبل استكماله لنفاد الأموال اللازمة, وعندما تأتي دفعة من الأموال يبدأون مرة أخري من الصفر لضياع الجهد نتيجة الإهمال, أما أكبر مشكلة يعاني منها النوبيون في قري التهجير فهي عدم وجود فرص عمل للأهالي فلا يوجد مصنع واحد حول هذه القري, بينما أغلقت الجمعيات الخيرية أبوابها نتيجة لتشدد الدولة معها, حتي وحدات تنمية المجتمع وقعت تحت سيطرة موظفين فاسدين أغلقوها أمام المواطنين أو استغلوها في إدارة مصالحهم الخاصة
رغم ذلك أخذتني مني لمعاينة تجربة قامت بها بعض سيدات القرية لمواجهة البطالة, فذهبنا إلي بيت واسع استأجرته بعض النساء لإقامة مشروعهن الخاص, حدثتني واحدة من مؤسسات المشروع هي ميرفت توفيق41 سنة حاصلة علي دبلوم صنايع مطلقة وتعول طفلين قائلة: لا أمتلك رفاهية انتظار فرصة عمل, لذلك كنت أنا من أفكر وأبتكر فعملت في المشغولات اليدوية لكن بعد ركود السياحة لم تعد مطلوبة, فعملت في رسم الحناء وتزيين العرائس, ثم تعلمت الخياطة, حتي جاءت فكرة هذا المشروع عندما علمت أن وزارة الشئون الاجتماعية توفر مدربا مجانا لتعليم الخياطة لأي مجموعة تزيد علي العشرين, فجمعنا العدد من سيدات القرية وأرسلت لنا الوزارة مدربا لمدة شهر, قمنا بعده باستئجار منزل بـ400 جنيه في الشهر وبدأنا في حياكة الملابس وصنع المأكولات والحلويات والمخبوزات لأهالي القرية الذين شجعونا جدا, ونتيجة إقبالهم ذاع صيتنا بين القري المجاورة وبدأنا نتلقي منهم الطلبات رغم أن المشروع مازال في بدايته.
وختمت جولتي في قرية توشكي بالجلوس مع الحاجة نعمة جمعة عشري أمام بيتها, والحاجة نعمة تعدي عمرها85 عاما لكنها تتمتع بصحة جيدة وذاكرة قوية, قالت بعد أن نادت علي زوجة ابنها لتعد مشروب المانجو الطازج المثلج: مازلت أذكر حياتي في قريتي توشكي القديمة قبل التهجير, كان بيت والدي واسعا مليئا بالغرف, كنت أحلب الجاموسة ونشرب لبنها دافئا, وكنا نزرع خضارنا في حدائق بيوتنا ونجلب السمك طازجا من البحيرة, كان الرزق وفيرا والخير كثيرا, تزوجت ابن عمي وطلقت منه بعد عام واحد ثم تزوجت ابن عمي الآخر وعشت معه باقي سنوات عمري وأنجبت13 عيل, كان عندنا فدادين زراعية كثيرة فقاموا بتهجيرنا إلي هنا في بيوت صغيرة لا تكاد تكفي أسرة واحدة, وأعطونا فدانين اثنين فقط, دلوقتي العيشة مرة بعد أن كبر الأبناء والأحفاد فاضطر ابني للسفر إلي الخارج وتركني هنا أعيش مع زوجته لتقوم علي خدمتي, وأحلم بالعودة لرؤية بيتي القديم.. أراه فقط ثم أموت هناك.
سألت الحاجة نعمة: هل تعودين إلي أرضك القديمة, وتتركين بيتك هنا الذي أقمت به أكثر من نصف قرن؟
قالت بسرعة: لا.. هذه أرضي وهذا بيتي الذي أنفقت عليه أكثر من150 ألف جنيه, مش هسيب أرضي هنا ومش هسيب أرضي هناك, ولو تكرر الاعتصام من أجل العودة سأشارك فيه! العودة هي حق لأبنائنا وأحفادنا الذين ولدوا علي أرض كانت غريبة وحرموا من خير آبائهم وأجدادهم, هنا حقنا… وهناك حقنا
الحقيقة علي أرض قري التهجير
جزيرة سهيل
هي جزيرة فعلا تحوطها المياه من كل جانب, هناك معدية تنقل السيارات والأشخاص إليها كلما تجمع عدد كاف من العابرين, لكن عملها يتوقف بعد الثالثة من ظهر كل يوم, ويعمل بديلا عنها مركب صغير يجدف به في العادة صبية صغار مقابل جنيه للراكب, من علي جزيرة سهيل يمكنك رؤية غرب سهيل القرية الأشهر حاليا بين قري النوبة, وسيأتي ذكرها لاحقا في ملف مفصل, أما جزيرة سهيل فهي لم تلق حظ أختها, تسير في حاراتها فتشعر أنها أقل حالا بين القري رغم احتوائها علي أثر فرعوني هام هو حجر المجاعة الذي كان السواح يأتون خصيصا لزيارته أيام ازدهار السياحة.
في جانبها الرائع المطل مباشرة علي النيل, يعيش حسين الشلالي عاشق النوبة والنيل, رحب بي في بيته الجديد المبني علي الطراز النوبي وحكي لي كيف دفعه عشقه للنيل إلي العمل بحار علي مراكب وزارة الكهرباء, وشرح لي أن أهل هذه القرية تم تهجيرهم أيام الشلال قبل بناء السد بسنوات طويلة لذلك فهم محظوظون بقربهم من النيل لكنه اشتكي من أن الدولة تحرم النوبيين من تملك أراضيهم ضاربا المثل ببيته الجديد هذا الذي لا يملك له أوراقا نهائية ثابتة, وبعد أن عبر عن خوفه من اندثار اللغة والتقاليد النوبية لأنها لا تدرس في المدارس المصرية, لخص حسين مشكلة النوبيين بقوله إنها لن تنتهي إلا بعودتهم قرب ضفاف بحيرتهم التي لا يستطيعون العيش بعيدا عنها.
في الجانب الآخر من القرية وفي بيت فاطمة مكي62 سنة قالت إن الحياة هادئة وجميلة في القرية التي لا تعاني إلا من مشكلة البطالة بعد أن توقف عمل أبنائها في السياحة, فتدخل ابنها عبد الرحمن يحيي27 سنة ليروي مشكلته قائلا: حصلت علي دبلوم الصنايع وكنت أعمل في السياحة إلي أن توقفت تماما, فعملت سائقا بإحدي الشركات مقابل900 جنيه في الشهر لكنها أغلقت أبوابها, وأعمل حاليا فرد أمن في فندق سياحي مقابل650 جنيها سأحتاج معهم إلي سنوات طويلة قبل أن أتمكن من الزواج.
أما فاطمة حسن مرسي60 سنة من قرية نجع المحطة فاشتكت من صعوبة السير في طرقات قريتها الجبلية خاصة بعد تردي حالتها الصحية وإصابتها بمرض السرطان الذي كشف لها عن سوء الخدمات الطبية في محافظة أسوان كلها مما يضطرها للسفر إلي القاهرة لتلقي العلاج.
مع غروب الشمس كانت ليلي تجلس أمام بيتها تدق ثمار الدوم بالهون المعدني, وعندما مررت عليها في طريقي للمركب لمغادرة القرية وعلمت بهويتي قالت: يا أستاذة عاوزين كوبري يوصلنا بالدنيا بدل المراكب والبهدلة في الشتاء لو احتجنا حاجة في أنصاص الليالي… تركت قري النوبة وأنا مازلت في حيرة من أمري: هل أحسدهم علي حياتهم الهادئة النظيفة الآمنة؟ أم أتمني معهم ولهم العودة لأراضيهم القديمة؟

 

 

المصدر : الاهرام المسائي

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com