الخميس , أكتوبر 18 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / تذكرة وحيدة للقاهرة.. رحلة عجيبة إلى عاصمة الزمن الجميل

تذكرة وحيدة للقاهرة.. رحلة عجيبة إلى عاصمة الزمن الجميل

كتبت : زينـب عبدالـرزاق

 

ماذا لو تعرض إنسان عادى لصراعات تفوق قدراته وعاش سنوات كثيرة تتخطى طموحاته؟ هذا هو السؤال الأكبر الذى يطرحه الروائى أشرف العشماوى على مدى روايته الجديدة «تذكرة وحيدة للقاهرة» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية ولا يتركك بإجابة شافية، إنما يثير عقلك لمزيد من التفكير بعد القراءة.

تبدأ أحداث الرواية فى أربعينيات القرن الماضي، من أسوان أقصى الجنوب، بعد غرق قرية بطلها «عجيبة سر الختم» فى النوبة إثر تعلية خزان أسوان ومصرع والده فى حادث سير مريب مع المهندس الإنجليزى مصمم الخزان، حيث يلتحق بالعمل مع ابن عمته العامل البسيط بنادى الجزيرة بقلب القاهرة، ليكتشف عالما آخر لم يكن يعرف عنه شيئا بداخل هذا النادى العريق.

ومن حى الزمالك وعمله لدى أبناء الطبقة الأرستقراطية، ينتقل إلى حوارى عابدين العتيقة، حيث يعيش مع غالبية النوبيين على هامش الحياة لنرى من خلاله مصر فى الأربعينيات والخمسينيات ومشارف الستينيات، ثم ينقله القدر لمحطات متتالية بمدن مصرية ليعمل بمهن غريبة ومختلفة، فتارة إسكافيا يصلح الأحذية القديمة وأخرى مساعد «كودية» فى حفلات زار وجلسات لتحضير الجان، وتارة ثالثة يفقد هويته تماما ويتحول لشخص سودانى بهوية مزورة، ليساعد إقطاعيا قديما فى استرداد أرضه التى صادرتها الحكومة بعد الثورة، ثم يصير من الأعيان ويتمرس على مراهنات الخيول بنادى الجزيرة ويصادف فى محطات رحلته شخوصا غريبة وأنماطا مختلفة من المجتمع، حتى يفيق من سكرته فجأة، لينتهى عمله بمفاجأة مدوية مع وقوع نكسة 1967، يلتقى بعدها سيدة يهودية ويلتحق بخدمتها ومنها يطير إلى سويسرا بمساعدتها لتتغير هويته للمرة الثالثة وينقل لنا أدق تفاصيل الحياة هناك وتتلقفه منظمات المجتمع المدنى التى تساعد الأقليات، فلا يدرى دومًا أين تكون محطته الأخيرة وهو يحاول دائما العودة ليكتشف أن القدر يقوده دائما نحو الاتجاه العكسي، فيبتعد أكثر.

هذه الرواية لا تتحدث فقط عن مأساة النوبيين والتهجير، إنما تتجاوز ذلك، لتلقى الضوء على حياة تلك الفئة المهمشة بقلب القاهرة وما حدث لهم فيها ومنها، ويظل بطل الرواية حتى وإن كان من فئة مهمشة، لكنه يمثل الغالبية، فهى قصة غير عادية عن شخص قد يبدو لنا عاديا للوهلة الأولى ومن خلال رحلته، سنكتشف أن كلنا مثله مهمشون، طالما لا نملك سلطة تحديد المصير، وأسلوب الكاتب فى هذه الرواية، جيد جدا فهو متمكن من لغته ومن وصفه ومن خيوط السرد بشكل عام، ويرتفع الأسلوب السردى فى مناطق معينة كثيرة إلى درجة الإجادة التامة، وعلى سبيل المثال، تلك التى يرسم فيها المؤلف صورا عامة تربط شتات العمل بطريقة رمزية متقنة مثل حديثه عن التماسيح فى تراث النوبيين ووصف العاملين قديما بنادى الجزيرة وحال الأعضاء وحياتهم قبل ثورة يوليو وأيضا مشهد خيال المآته قريبا من بحيرة ليمان بسويسرا والمقارنة مع بحيرة ناصر بأسوان، وربطه بحياة «عجيبة» وتقلباتها وتحول خيال المآتة إلى كائن هش ممزق لا يخيف الطيور.

أجاد الكاتب فى التنويع السردى بين الراوى العليم وضمير المتكلم الذى يعطى حميمية أكثر للقراءة بحيث يتوحد القارئ مع بطل الرواية، لكن الأهم احتواء الرواية على باطن اجتماعى واقتصادى وسياسى ضخم، ليس من اليسير اجتماعه فى عمل واحد ولا يخلو من السخرية اللاذعة طوال الوقت.

الرواية: تذكرة وحيدة للقاهرة

الروائي: أشرف العشماوي

الناشر: الدار المصرية اللبنانية 2016

 

المصدر : الاهرام 

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com