الخميس , أغسطس 16 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / النوبيون في مصر.. إشكاليات العودة لأراضي الأجداد

النوبيون في مصر.. إشكاليات العودة لأراضي الأجداد

كتبت : مايا جانمير

الباحثة في مركز دراسات الهجرة واللاجئين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومركز القانون والتحول الاجتماعي بالنرويج

 

ظلَّت قضية النوبة في مصر مثار حديث شائك في الأوساط السياسية والأكاديمية لفترات طويلة، خاصةً في ظل حساسية مطالبهم المتعلقة بالرجوع لأراضيهم، والتهميش الذي واجهه المجتمع النوبي في بعض الفترات، وبرغم ذلك، فلم تفلح غالبية محاولات الحشد المكثفة المتعددة للنوبيين التي قام بها النشطاء، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول السبب وراء ذلك، والتحولات المرتبطة بتلك المطالب ومسارها المستقبلي.

في هذا الصدد، تم نشر دراسة بعنوان ” النوبيون في مصر المعاصرة: الحشد للعودة لأراضي الأجداد”، والصادرة عن دورية Middle East Critique في فبراير 2016، والتي تقدِّم تحليلا تاريخيًّا لقضية النوبة وعمليات الحشد التي قاموا بها، وأعد هذه الدراسة “مايا جانمير” الباحثة المشاركة في مركز دراسات الهجرة واللاجئين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومركز القانون والتحول الاجتماعي بالنرويج، وأستاذ زائر سابق في الجامعة الأمريكية ببيروت.

ومن المهم قبل عرض جانب من الأفكار التي طرحتها هذه الدراسة، الإشارة إلى أن المقاربات الغربية عادة ما تنظر لقضية النوبة في مصر كقضية أقليات ، على خلاف المنظورات الوطنية المصرية التي تنطلق من الطبيعة الهوياتية المتجانسة للمجتمع والدولة، إذ إن الإشكاليات التنموية التي يتعرض لها النوبيون هي ذاتها التي يواجهها المصريون ككل، وأن خصائصهم الثقافية لم تمنع انصهارهم ضمن الكتلة العامة في هذا البلد بكل ما تواجهه من تحديات.

تطور الحراك النوبي:إشكاليات العودة لأراضي الأجداد

تُؤكد الدراسة أنه برغم العراقيل التي واجهت فكرة التعبئة والحشد لأهل النوبة، فقد حدثت بعض التطورات التي سرَّعت من وتيرة التعبئة النوبية لإيجاد ممثل لهم، والتي تُمثِّل في مجملها محطات هامة في ذلك الطريق، وتتمثل تلك المحطات فيما يلي:

1- الجمعيات الحقوقية: والتي بدأت مع ظهور عدد من الجمعيات النوبية، مثل “الجمعية النوبية المصرية للمحامين” تحت قيادة منير بشير، والتي مهَّدت الطريق لحركة حقوق أوسع، خاصةً أنها قامت برفع عدد من الدعاوى القضائية لأهل النوبة تطالب بالعودة إلى أراضي أجدادهم، أو تطالب بتعويض عادل عن الأضرار التي تعرضوا لها. بالإضافة إلى ذلك، أضفى اهتمام “المركز المصري للحق في السكن” بمشكلات النوبيين، بُعدًا جديدًا للقضية، خاصةً في ظل توظيفه القوانين الدولية الخاصة بالسكان الأصليين لتأسيس الحق في عودة النوبيين لأراضيهم.

2- اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي: والذي بدأ حينما تمت الدعوة إلى إضراب عام اعتراضًا على انخفاض معدلات الأجور في ظل ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وما ميَّز تلك الدعوة عن سابقاتها أنها استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، واعتمد عليها النشطاء في تنظيم المظاهرات والاحتجاجات المختلفة.
وقد مثَّلت تلك الأزمة دافعًا وإلهامًا لجيل شباب النوبيين للمطالبة بحقوقهم، لذا تم تأسيس “اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي” في 2009 من مجموعة من طلاب الجامعة النوبيين من أجل الدفاع عن حقوق أهل النوبة في مصر، بل وقدَّم مجموعة من المطالب للحكومة المصرية حينها، ووظَّف وسائل التواصل للحصول على مزيد من الدعم.

3- ثورة 25 يناير: والتي مثَّلت نقطة تحول في مسيرة الحقوق النوبية، حيث لأول مرة ينزل النشطاء والشباب النوبيون إلى الشوارع للمشاركة في إسقاط نظام مبارك الذي طالما أهمل حقوقهم، ولم يعترف بها، بالإضافة إلى أنهم حتى بعد تولي المجلس العسكري السلطة في 2011، استمر الشباب في تنظيم الاحتجاجات في أسوان وغيرها، من أجل التأكيد على المطالب النوبية.

4- دستور 2012، ففي ظل دستور الإخوان لم يتم الاعتراف بحقوق أهالي النوبة في العودة إلى أراضي أجدادهم، برغم الاحتجاجات التي نظموها ضد ذلك الدستور وضد نظام الرئيس المعزول محمد مرسي. من ناحيةٍ أخرى، بدا ظهور بعض الجماعات على شبكات التواصل الاجتماعي متطرفًا إلى حد الدعوة إلى ضرورة استخدام القوة لتحقيق أهدافهم، وهي الدعوات التي لم يستجب لها غالبية أهل النوبة، وكذلك الدعوات لانفصال النوبة عن مصر، فضلا عن الدعوات إلى تأسيس حزب خاص بالنوبة، والذي رآه غالبية النوبيين نوعًا من العنصرية، ولم يستجب له أحد. ناهيك عن عدم إشارة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لأزمتهم السياسية، وكل هذا كان بمثابة نكسة لكل التطلعات النوبية بعد الثورة لتحقيق مطالبهم.

5- دستور 2014: في ظل دستور مرحلة ما بعد 30 يونيو، تم الاعتراف لأول مرة صراحة في مواد الدستور بحقوق أهل النوبة، وتم تمثيلهم داخل لجنة الخمسين من خلال “حجاج أدول”، وهو ما مثَّل خطوة إيجابية وناجحة في مسار الاعتراف الحكومي والمجتمعي بحقوق النوبيين ومطالبهم.

أسباب تهميش النوبة :

تُشير الكاتبة إلى أنه برغم عمليات إعادة التوطين التي بدأت لأهل النوبة في الستينيات، والتي توقع البعض أنها ستثير حالة كبيرة من الاضطراب في المجتمع النوبي، فإن محاولات الحشد لرفض التهميش كانت محدودة للغاية وعلى نطاق ضيق، وهو ما يمكن إرجاعه إلى العوامل التالية:

1- القومية المصرية العربية: والتي عزَّزت من مفهوم المجتمع الواحد المتجانس الذي يتحدث لغة واحدة ولديه تاريخ مشترك، والذي لا يتم فيه تمييز بعض الجماعات عن بعضها الآخر، فالأقليات نفسها تحصل على كافة حقوق المواطنة مثلها في ذلك مثل غالبية المواطنين. وفي ضوء ذلك المبدأ، لم تكن هناك حدود رسمية تفصل بين أهل النوبة وبقية المصريين، بل كانوا مجتمعًا واحدًا متجانسًا، ومن ثم كان من المستحيل تقدير أعداد النوبيين في مصر في ذلك الوقت.

وفي ظل تنامي تلك المشاعر القومية التي عضدَّتها الخطابات الشعبوية وقتها؛ كان العديد من النوبيين داعمين لبناء الدولة، وشعروا بأنهم يضحون ببيوتهم القديمة من أجل الصالح العام، ومن ثم كان مجرد رفع مطالب خاصة بالنوبيين في ذلك الوقت يعد خيانة لذلك المشروع القومي، وهو ما أضعف من إمكانية الحشد والتعبئة المُكثَّفة وراء مطالبهم.

2- التخوين، ففي ظل القومية المصرية، بدت العديد من ملامح التمييز ضد النوبيين في السياسات الحكومية، ومنها محاولات إعادة توطين بعض الجماعات في المناطق والأراضي التي يتمنى النوبيون الرجوع إليها، وإعادة تسمية تلك المناطق بأسماء عربية وغيرها بعيدًا عن التراث النوبي الذي يجب المحافظة عليه. فضلا عن الأوضاع الاقتصادية المتردية للعديد منهم، حتى إن الأفلام المصرية تُظهرهم دومًا في أدوار حرَّاس العقارات أو الخدم أو السائقين. كذلك لم تكن لديهم مؤسسات عن حقوقهم، أو تعبِّر عن مشكلاتهم التي تؤثر عليهم بشكل مباشر. وارتكز عمل أغلب المنظمات الخاصة بأهل النوبة في الجانب الاجتماعي، مثل النادي النوبي في القاهرة، والذي هدِف إلى تجميع العائلات النوبية والمهاجرين منهم وتوفير أماكن إقامة لهم.

3- الانقسام النوبي: وقد تمثلت مظاهر ذلك الانقسام في الاختلاف حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها لتحقيق التغيير وأولوياته، فضلا عن الصراع بين النوبيين أنفسهم حول من له الحق في الحديث باسم أهل النوبة والتعبير عن مشكلاتهم ومطالبهم. أضف لذلك، الفجوة بين الأجيال النوبية والتي تُعد السبب المباشر وراء هذا الانقسام، خاصةً أن الأجيال القديمة ترى أن المشكلات التي يُعاني منها أهل النوبة كالبطالة وعدم وجود مساكن، هي مشكلات يعاني منها جميع المصريين، وأن محاولة التعبير عنها بصفتها مشكلات “نوبية” فقط، سيعد خيانة للهُوية المصرية.

مطالب نوبية:

يُجمع العديد من الناشطين النوبيين، لا سيما الشبان منهم، على أن العودة إلى أراضي الأجداد هو أهم مطلب في قضيتهم، لكنهم بالضرورة يختلفون حول الأطر والاستراتيجيات لتحقيق هذا الهدف. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أهم المطالب للناشطين النوبيين:

1- أرض الأجداد: ففي ضوء اعتبار العودة إلى الأراضي الأصلية أحد حقوق الإنسان، فذلك بالضرورة سيعد حقًّا أصيلا للنوبيين وليس محاباة من جانب الحكومة، وهو ما برز في مجموعة “المطالب الخاصة” التي قدمها اتحاد الشباب النوبيين للحكومة بضرورة الاستجابة لذلك المطلب بدون أية شروط.

من ناحية ثانية، تربط مجموعات أخرى، مثل المركز المصري للحق في السكن، تلك المطالب بـ”الحقوق الدولية للسكان الأصليين”، وهو ما يوجب على الحكومة المصرية السماح لأهل النوبة بالعودة لأراضيهم التقليدية حول بحيرة ناصر بالأسماء التقليدية للمناطق والقرى كما كانت. وتستخدم تلك المجموعات القوانين والمواثيق الدولية لتعزيز حُجتها.

2- تنمية المجتمع النوبي، والذي يعتبر أفضل مسار آمن للنوبيين للحديث عن العودة لأراضيهم، بحيث يتحول المطلب من أن يكون “الحق في العودة” إلى “الحق في التنمية” والذي سيشتمل بالضرورة على العودة. ولعل هذا المسار أكثر رحابةً من المسار القانوني، نظرًا لكونه يُقدم طرحًا تاريخيًّا وسياسيًّا أيضًا؛ حيث يعتمد النوبيون على تبريرات الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر أيام إخراجهم من أراضيهم بأن هدفه التنمية، والتي لم تتحقق حتى الآن، ومن ثمّ وجب استعادة الحديث عنها من هذا المدخل.

من ناحيةٍ أخرى، فإن هذه المقاربة تُظهر الحديث عن هذا الحق بشكل أكثر حيادية، بما يساهم في تحقيق التعبئة وراءه بشكل أوسع، ويُجنِّب النشطاء المواجهة مع الأمن والاتهامات الخاصة بالعمالة والخيانة وغيرها. وختامًا، تؤكد الكاتبة أن هذين المطلبين ليسا منفصلين بقدر كونهما متوازيين، ويعملان جنبًا إلى جنب بهدف تحقيق التعبئة المطلوبة لتعزيز حق أهل النوبة في العودة إلى أراضي أجدادهم.

عرض: باسم راشد، باحث في العلوم السياسية

 

المصدر : المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجيه 

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com