المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية 2.. النخبة المصرية ترى أن لها حقاً تاريخياً في امتلاك السودان وأهله بحجة أن مصر حكمت السودان - Aِraged newsِ
الجمعة , ديسمبر 6 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية 2.. النخبة المصرية ترى أن لها حقاً تاريخياً في امتلاك السودان وأهله بحجة أن مصر حكمت السودان

المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية 2.. النخبة المصرية ترى أن لها حقاً تاريخياً في امتلاك السودان وأهله بحجة أن مصر حكمت السودان

مصر لم تحكم السودان فكيف يحكم جاره من هو راسف في القيد مثل جاره؟

د. أمين حسن عمر يكتب:

النخبة المصرية ترى أن لها حقاً تاريخياً في امتلاك السودان وأهله بحجة أن مصر حكمت السودان وأنها منحته استقلاله؟ وهذا ادعاء لا يصدقه الواقع، فمصر لم تحكم السودان فكيف يحكم جاره من هو راسف في القيد مثل جاره؟

الشعب المصري شعب شقيق مغلوب على أمره، تصله بأهل السودان أواصر عديدة ومتينة، فهو ليس الملأ المتحكّم في أمره بل هو مجنيُّ عليه مهدور الحقوق من هؤلاء

النخبة السياسية التي تمسك بالزمام في كافة المجالات لا تعرف عن السودان شيئاً إلا أنه الفناء الخلفي للبيت المصري، والذي لا يزيد في أعينهم عن كونه فناء تتنزه فيه المصالح المصرية

الجدل المثار سببه أن بعض أهل السودان تجرأوا على الاعتزاز بتاريخ بلادهم العريق. وعجباً لماذا يغضب البعض في مصر من حديث السودان عن عراقة حضارته وربما أسبقية بعض تبدياتها في السودان قبل مصر

ما يزعج النخبة هنالك من بزوغ الاهتمام السوداني بالتاريخ وبالسياحة وتلقيه عوناً في ذلك من بعض أشقائه، إنما مرجعه لسببين أولهما خوف المنافسة على فرص السياحة

لا عجب فاستحقار النخبة المصرية للسودان قديم قدم معلم أجيالهم المستغرب الأكبر رفاعة رافع الطهطاوي.. ونظرية امتلاك مصر للسودان هي مركز النظرة التي تحملها النخبة المصرية لعلاقاتها بالسودان

لا شك أن شيطنة الشعب المصري وتصويره وكأنه عدو للشعب السوداني اتجاه خاطىء وجائر. فالشعب المصري شعب شقيق مغلوب على أمره، تصله بأهل السودان أواصر عديدة ومتينة . فالشعب المصري ليس هو الملأ المتحكم في أمره بل هو مجني عليه مهدور الحقوق من هؤلاء . والملامة على الإساءة لعلاقات البلدين ووزرها إنما يقع على كاهل النخبة، فالنخبة السياسية التي تمسك بالزمام في كافة المجالات لا تعرف عن السودان شيئاً إلا أنه الفناء الخلفي للبيت المصري، والذي لا يزيد في أعينهم عن كونه فناء تتنزه فيه المصالح المصرية، وكما أن محمد على باشا جاء للسودان لجلب المال والرجال لتسخيرهم في جيشه، فإن نخبة مصر لا تعرف عن السودان إلا أنه الفناء الخلفي الذى أخطأ عبد الناصر كما يزعمون بالتفريط فيه والسماح له بنيل استقلاله. فالنخبة المصرية تريد السودان تراثاً تملكه، وتريده بواباً يحرس مصالحها ولو كان ذلك على حساب مقدراته ومصالحه وعزته الوطنية.
الحضارة نوبية وليست فرعونية
والجدل المثار سببه أن بعض أهل السودان تجرأوا على الاعتزاز بتاريخ بلادهم العريق. وعجباً لماذا يغضب البعض في مصر من حديث السودان عن عراقة حضارته وربما أسبقية بعض تبدياتها في السودان قبل مصر، وكلا السودان ومصر في واقعهما الراهن جغرافياً سياسة جديدة لن تلغي وقائع التاريخ، فالحضارة نوبية في غالبها (أي أن النوبيين هم من صنع أمجادها على مر التاريخ)، وكانت لها تبديات متعددة وامتدادات عبر الجغرافيا عبر مصر والسودان وإرتيريا وأثيوبيا أفريقيا والشام وآسيا . وموضوع التاريخ أمر علمي ولا ينبغي أن يكون جدليأ ولكن الجدل إنما يدخله استثمار التاريخ. ولا شك عندي أن الاستثمار المصري لتاريخ مشترك في ذات الجغرافيا الممتدة أكبر بكثير من الاهتمام والاستثمار السوداني المعاصر، سواء في بناء الصورة أو في السياحة. وما يزعج النخبة هنالك من بزوغ الاهتمام السوداني بالتاريخ وبالسياحة وتلقيه عوناً في ذلك من بعض أشقائه، إنما مرجعه لسببين أولهما خوف المنافسة على فرص السياحة، فالسودان يملك إلى جانب آثار تاريخه المهملة موارد سياحية هائلة ممثلة في المحميات البرية والمحميات البحرية وسياحة الصحراء والصيد وكل هذه جواذب سياحية إن جرى الالتفات إليهما سوف تمثل تنافساً لا تريده النخبة هنالك.

والسبب الثاني هو حكاية البيضان مع السودان واستعلاء الأولين على الآخرين. فكيف لبواب البرج العالي أن يتطلع ليكون من سكان البرج . فحتى مذيع الجزيرة المصري إياه المعجب بنفسه، يستخف بالسودان فيقول (حتى السودان والعنصرية لا تفت في عضد الوحدة بين أبناء النيل فحسب بل تفتت الوحدة الوطنية في ذات البلد بالنظرة الدونية التي ترمق بها النخبة (طبقة البوابين) أهل الحضارة التي يجري استثمارها ويذهب خيرها لغيرها. ولقد فضح زاهي حواس هذه النظرة العنصرية عندما تحدث بإنكار أي أصل يربط ما يسميغ الحضارة الفرعونية بأفريقيا على الرغم من أنه يرى في كل يوم أشكال المومياوات التي يستثمرها ويعلم علم اليقين أنها نوبية النسبة والمحتد. ولكن كثير من الناس هم مصداق الآية الكريمة (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، فهو التعالي على البسطاء من أبناء شعبه الداكن الألوان الذين إنما بما ترك أباؤهم من إنجاز يتباهى حواس . ويستخف حواس بتاريخ السودان فيقول: إننا حكمنا السودان آلاف السنوات حتى نهاية الدولة الحديثة والكوشيون حكموا مصر أسرة واحدة وأقاموا أهرامات ضعيفة جدا تسمى المروية) ويقول أيضاً (ولا يوجد إنتاج للحضارة السودانية أما الفرعونية فتهز العالم كله من أهرامات ومومياوات واكتشافات)، ولن نتوقف عن هذا الهذيان فإنه لا نسبة له لحديث العلماء. فحديث العلماء والأكاديميين معروف ومظانه معروفة لمن رغب في تعرف صادق على التاريخ. وما كنت أراني أصدق أن الناس التي قد تتآمر على الحاضر الراهن يمكن أن تتآمر على التاريخ. بيد أنه كان أستاذنا في علم الآثار (هيكوك) الذي أنفق عمره في محاولة فك طلاسم اللغة المروية القديمة من خلال دراسة اللغات النوبية المنطوق بها لدى النوبيين اليوم، يحدثنا أنه يخشى على حياته بسبب ما يريد أن يرفع عنه أستار الخفاء، وكنا نعتبر حديثه من باب المبالغة وعقدة الاضطهاد، وكانت هلوسته بأنه مستهدف تجعله موضع الهزء منا، بيد أنه مات في حادث مروري غامض لم تفك ألغازه حتى الآن، ودفن حسب وصيته في السودان الذي آمن بعراقته في التاريخ. وكان يحدثنا بأن كل كتاب يكتب عن خصوصية تاريخ السودان يختفي من المعروض من الكتب في سرعة فائقة، وكأن جهة ما آلت على نفسها أن تنظف الأسواق من كل هذا (الهراء) الذي يجعل لتاريخ السودان خصوصية أو أسبقية.

ولم نكن نأخذ قوله مأخذ الجد لكن السؤال يبقى منتصباً لماذا تبذل الجهود الخارقة للتعتيم على كل ضوء يلقى على تاريخ السودان؟ والتعتيم لا ينال تاريخ السودان وحده بل تاريخ وجذور شعب النوبيين سواء في شمال الوادي أم جنوبه. فلا تكاد تجد بحثاً واحداً أجراه منتسب للهيئات العلمية المصرية عن أثنولوجيا الشعب النوبي صانع الحضارة بينما المكتبة السودانية تشكو هي الفقر المدقع في هذا المجال. لكننا بالنظر للشعب الحي وللتراث المحفوظ لغة وثقافة نعرف النوبيين حق المعرفة فهم الشعب الذي يعيش في عصرنا الراهن بين أسوان جنوب مصر حتى أبي حمد شمال السودان وكانوا في الماضي ينتشرون من جنوب القاهرة حتى شمال الخرطوم بل إن الخرطوم نفسها أنشأها النوبة المحس. وتمددوا غرباً حتى كردفان ودارفور ولا تزال أجناس منهم تتحدث بلهجات نوبية الأصل مثل الميدوب والبرتي في دارفور وتمددوا حتى البحر الأحمر شرقا. وكان العرب والعبرانيون والسريانيون يسمون أهل النوبة بالكوشيين نسبة إلى كواشيم بن حام بينما كانت العرب تنسب نفسها إلى سام. والكوشيون يضربون في التاريخ إلى الجيل الثاني بعد الطوفان وحضارتهم تضرب بإيوانها إلى عهود عريقة وتليدة.

وآراء العلماء الآثاريين من أمثال شارلي بونيه الذي أنفق عمره في دراسة حضارة كوش أن الحضارة النوبية في الجنوب أقدم بكثير من رصيفتها في شمال الوادي . كما ذهب البروفيسورشارلس بونيه إلى أن ما يطلق عليه الحضارة المصرية القديمة ربما تكون فرعاً من الحضارة النوبية في الجنوب وذلك للشبه في الأثار وفي السحنات. وعلى خطى شارلس بونيه يقول د. ديفيد أ. كونور عالم المصريات الشهير والمشرف على العديد من معارض المصريات حول العالم ، بأن الأبحاث الحديثة قد أثبتت أن جنوب الوادي قد عرف الممالك القوية المنظمة منذ وقت بعيد لم يكن فيه شمال الوادي يعرف أية كيانات سياسية منظمة كتلك التي نشأت في جنوبه.

ويستشهد علماء الآثار على عراقة الحضارة الكوشية في الجنوب بنهضة صناعة الحديد الذي هو رمز القوة والانتقال الحضاري إلى طور جديد. ونحن إذ نتحدث لا نتحدث عن السودان أو مصر إنما نتحدث عن حضارة نيلية أفريقية امتدت على مدى الجغرافيا السياسية التي تشمل السودان ومصر وأن أصولها أفريقية نوبية داكنة اللون. وقد بدأت على الأرجح في حدها الجنوبي ثم تحركت نحو الشمال. ولئن كان ما يسمى بمصر اليوم شهد عصوراً من عصورها الزاهرة فقد شهد ما يسمى السودان عصوراً من عصورها الزاهرة. وأما القبط الذين هم سكان مصر السفلى ومن اسمهم يشتق اسم إيجبت (مصر مفردة عربية تعني منطقة من البلاد فيقال مصر ويقال الأمصار ويقال مصر منطقة ما أي جعلها مصراً) والمصريون أهل مصر السفلى هم أبناء عمومة النوبيين إذ ينحدورون من ذات الجنس القوقازي. بيد أن مصر السفلى شهدت غزوات واحتلالاً من شعوب أخرى دام لقرون فغزاها الفرس والإغريق والرومان والعرب، وظلت غالب عهودها يحكمها غزاة من خارجها كان آخرهم محمد علي باشا وأسرته التي لم ينته عهدها إلا بالثورة المصرية في العام 1952، والنوبيون اليوم هم الكنوز والحلفايون والمحس والسكوت والدناقلة، وأما الكنوز فهم النوبة المستعربة التي اختلطت بعرب ربيعة حيث صاهر زعماؤهم أفراد القبيلة العربية الوافدة فامتزجت دماؤهم بدماء العرب. وكانت لهم منعة وقوة شكيمة فهم أحفاد رماة الحدق الذين قاوموا الفتح الإسلامي أول أمره قبل اختلاطهم بالعرب، وقد أسسوا في فترة من الفترات إمارة بني الكنز النوبية العربية وكانت عاصمتها في موضع أسوان الحالية. وقد بايعوا الدولة الفاطمية وساهموا في نشر الإسلام في سائر النوبة بعد إذ قاوموه وموطنهم الأصلي هو “مريس” والمناطق المجاورة لها ، إلا أنهم ينتشرون الآن في اقصى جنوب مصر على الحدود السودانية المصرية، وهم يتحدثون اللغة النوبية باللهجة الكنزية ويحادهم النوبة الحلفاويون الذين هم امتداد سكانى وجغرافى لبلادهم ويتحدثون النوبية باللهجة الكنزية ثم السكوت والمحس ويتحدثون النوبية باللهجة المحسية ثم الدناقلة جنوباً حتى قرب حدود المناصير في محاذاة أبي حمد ويتحدثون اللهجة الدنقلاوية، وكل هذه اللهجات يتفاهم أفرادها رغم الاختلافات الطفيفة. وقد كنت وجهت إبان كنت مسؤولاً عن الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بأن يكون بث إذاعة وادي حلفا مناصفة بين العربية والنوبية مع الاهتمام بالتراث الثقافي النوبي فكانت مسموعية الإذاعة في النوبة المصرية تماثل مسموعيتها في النوبة السودانية ولا غرو فالنوبة شعب واحد وتراث واحد. ولذلك لم أستغرب الأعطال المتكررة في محطة وادي حلفا بفعل فاعل في كل مرة .Image result for ‫وادي حلفا‬‎
استعلاء النخبة ما أسبابه؟
النخبة المصرية ترى لها حقا تاريخياً في امتلاك السودان وأهله بحجة أن مصر حكمت السودان وأنها منحته استقلاله؟ وهذا ادعاء لا يصدقه الواقع، فمصر لم تحكم السودان فكيف يحكم جاره من هو راسف في القيد مثل جاره؟ فلئن كان الحديث عن محمد علي باشا وأسرته فلم يكن الباشا محمد علي مصرياً ، بل إنه لم يولد في مصر كما ولد وعاش المماليك الذين جاءوا من الأتراك و الشركس والألبان والمجريين وحكموا مصر قروناً عدداً بعد أن سبقهم في حكمها الطولونيون الأتراك ثم الأخشيديون المماليك الترك وتبعهم قائد جيوشهم كافور النوبي الدنقلاوي. ثم حكمها الأيوبيون بقيادة صلاح الدين الأيوبى الكردي. وكان محمد علي باشا ألباني الأصل تركي عثماني الإنتماء جاء مع الجيش الذي أرسله السلطان العثماني لاحتلال مصر بعد جلاء جيش نابليون عنها في مطلع القرن التاسع عشر وبعد احتراب أمراء المماليك للسيطرة على ملكها، فجاء الغزو العثماني ليضع يد الباب العالي على مصر مرة أخرى بعد أن احتلها على عهد السلطان سليم الأول ١٥١٧م، وفى ذلك الوقت ذاته كانت السلطنة الزرقاء تمد ملكها حتى مصر العليا ويواليها حكام عيذاب وسواكن وباضع. وصحيح أن مجندي الجيش المصري جاءوا في جيش محمد علي باشا ولكنهم جاءوا مسخرين كارهين ولم يأتوا راغبين فاتحين، شأنهم لما جاءوا في جيش كتشنر الذي أصبح سردار الجيش المصري، بعد أن كان حاكماً للمستعمرات البريطانية في البحر الأحمر. وكما قال هيكل قولاً نسبه لغيره بعد التأمين على صحته أن خيول الفتح الإنجليزي كانت مصرية والجنود الذين يدفعون مركبات الجيش كانوا مصريين. فهل هذا يجعل لهم حق العلو والسيطرة على السودان بحق الفتح ؟ وآخر هذا الضرب من الادعاء ما نسب للدكتور عبد المقصود الباشا أستاذ التاريخ الإسلامي لإحدى الصحائف المصرية إذ يقول (إن السودان سواء الشمال أو الجنوب كانت تابعة لمصر، وربنا لا يسامح ما بدر عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بمنح السودان الاستقلال عقب نشوب ثورة٥٢ ) فما أعجب هذا القول فمصر التي كانت لا تزال جيوش الاإحتلال لم تجلُ عنها تماماً بعد هي التي منحت الاستقلال (غير المستحق للسودان ) ومما يؤسف له أن هذه العقلية هي التفكير الراسخ المستقر لدى النخبة المصرية بكافة أطيافها. وأضحك معي إن شئت من قول عضو من هيئة ما يسمى كبار العلماء إذ يقول (إن فرعون تعني ملك، وإنه كان ملكاً لمصر، وأنه بعد واقعة الطوفان زار ابن نوح عليه السلام مصر فسميت مصر، ولم تكن السودان موجودة من الأساس على الخريطة الإسلامية). ولا عجب فاستحقار النخبة المصرية للسودان قديم قدم معلم أجيالهم المستغرب الأكبر رفاعة رافع الطهطاوي الذي يقول عن السودان وأهله :Image result for ‫وادي حلفا‬‎
وما السودان قط مقام مثلي ولا سلماي فيه ولا سعادي
بها ريح السموم يُشم منه زفير لظىً فلا يطفيه وادي
عواصفها صباحاً أو مساءً دواماً في اضطراب واطّراد
ونصف القوم أكثره وحوش، وبعض القوم أشبه بالجماد
ومع ركاكة القصيدة التي أحجمنا عن ذكر بقية بذاءاتها في حق السودان وأهله إلا أنها تعبير صادق عن صورة السودان لدى أمثاله في زمانه إلى زماننا هذا. وأما أولئك الذين يحبون التوحد مع السودان فإنما يرونه من أملاك مصر التي لا يجب التخلي عنها فحتى أحمد شوقي سامحه الله لم تخلُ نظرته من نظرية التابعية هذه، فالسودان من الأملاك المصرية التي أضاعها تفريط الملك فؤاد إذ يخاطبه شوقى بقصيدة إلام الخلف بينكم إلاما وهذي الضجة الكبرى علاما
فيقول:
فأين الفوز لا مصر استقرت على حال ولا السودان داما
ولكن يحمد لشوقي محبته الصادقة للسودان فهو وإن كان لم يغادر فكرة تابعية السودان لمصر فهو القائل :
ولن نرتضي أن تقض القناة ويبتر عن مصر سودانها
فمصر الرياض وسودانها عيون الرياض وخلجانها
وما هو ماء.. ولكنه وريد الحياة وشريانها
تتمم مصر ينابيعه .. كما تمم العين إنسانها
وأهلوه مذ جرى عذبه عشيرة مصر وجيرانها
ورغم معانى المحبة في القصيدة فالسودان لا يعدو مضافاً (وإن كان لا يستغنى عنه ) إلى مصر فمصر هي إنسان عين الزمان ولا يلام شاعر على مدح وطنه ، والسودان سودانها، وليت نخبة مصر كلها مثل شوقي إذاً لانزاح عائق كبير بين أبناء النيل.

وكان حافظ إبراهيم الذي جاء مع جيش كتشنر يحمل ذات الرأي من تبعية السودان لمصر بل إنه اتهم بتحريض الضباط المصريين على كتشنر لأنه كان يراه موظفاً لدى مصر ولا شك أن قلبه الشاعر لم يجعله يستوعب أن مصر هي الأخرى محتلة من الاستعمار الانجليزي ولئن كان كتشنر يسمى سردار الجيش المصري فهذا لا يجعله موظفاً لدى الخديوى عباس الذي كان في حقيقة الأمر هو الموظف لدى الاحتلال البريطاني.

وقد عبر محمد حسنين هيكل عن هذه الرؤية بأن السودان سودان مصر ومن أملاكها، يقول هيكل بصراحته الصادمة أحياناً: وأنا في الطائرة المسافة طويلة طبعاً بأفكر، موضوع السودان أنا كان لي رأي فيه باستمرار وهذه كانت زيارتي الخامسة للسودان وأنا لي رأي فيه وكان اعتقادي إنه نحن لا نعرف شيء عن السودان، بالكثير قوي نعرف الطريق من أسوان للخرطوم، لكننا لا نعرف لا شرق ولا غرب ولا جنوب وإن إحنا في واقع الأمر كنا نتكلم عن وحدة أو عشان أبقى صريح يعني عن ملكية بلد نحن لا نعرف عنه شيء، لكنه نحن في مصر عادة وفي العقل العربي عموما نحن ميالون إلى تصديق Image result for ‫هيكل و السودان‬‎الأساطير ثم تترسخ هذه الأساطير وتتحول في قلوبنا وفي نفوسنا إلى عقائد ثم عندما يجيء وقت الحل نكتشف أن هذه الأساطير التي تحولت إلى عقائد الآن أمامنا وقد أصبحت عوائق لأنه لا شيء يمكن أن يتحقق بالأساطير وأنا رايح في الطائرة أنا في أذني لا يزال قصيدة تغنى في الراديو في مصر في ذلك الوقت ومن قبلها الحقيقة يعني من مثلاً سنة 1946 – 1947 وفي مصر تغنى قصيدة لشوقي وتغنيها السيدة أم كلثوم ويقول فيها شوقي وما نرتضي أن تقض القناة.. تقطع يعني قناة السويس ويفصل عن مصر سودانها، فمصر الرياض وسودانها عيون الرياض وخلجانها وما هو ماء ولكنه وريد الحياة وشريانها.. وريد الحياة وشريانها صحيح، لكن وما نرتضي أن تقض القناة أنا فاهم شوقي كان يتكلم على إيه لأنه لورد ألنبي سنة 1925 لما راح يوجه إنذاره الشهير إلى سعد زغلول باشا بأن مصر عليها أن تسحب قوتها من السودان وأن تدفع تعويضات لأنه كان وقتها اغتيل سير لي ستاك دار الجيش الإنجليزي وأنتهزها لورد ألنبي المعتمد البريطاني في مصر في ذلك الوقت فرصة لكي يوجه إنذارا نهائياً للحكومة المصرية ينهي علاقتها بالسودان خالص وسعد باشا مضطرا تحت ظروف هو لا قبل له بها قبل الإنذار واستقال من الوزارة وكانت لحظة شديدة الحرج في تاريخ مصر لأنه ألنبي بعد كده راح شاف الملك فؤاد وقال له أبلغه وهذا واضح أمامي في كل الوثائق إنه إذا لم تسر الأمور فيما يتعلق بالسودان كما تطلب الحكومة البريطانية فالحكومة البريطانية على استعداد لفصل منطقة القناة وتحويلها إلى محمية بريطانية واضحة صريحة لأنه هذا مرفق استراتيجي لا يقل أهمية عن وهذه ملفتة عن جبل طارق، إنجلترا لا تزال في جبل طارق أخذته من إسبانيا واعتبرته مستعمرة محمية بريطانية لغاية هذه اللحظة لم تخرج منه وبالتالي مصير جبل طارق كان موجود في ذهن أو في خلفية عقلية السياسة المصرية بشكل أو آخر أظنه كان ماثل عند سعد باشا وأظنه كان ماثل في ذهن الملك فؤاد وأظنه إنه هو ده اللي دعا شوقي أن يقول وما نرتضي إن تقض القناة ويفصل عن مصر سودانها، لكن تقض القناة أنا فهمها لكن سودانها هنا ملكية السودان) (حلقات قناة الجزيرة مع هيكل) ونظرية امتلاك مصر للسودان هي مركز النظرة التي تحملها النخبة المصرية لعلاقاتها بالسودان فهي كما قال هيكل ليست علاقة اتحاد بل علاقة امتلاك .
نواصل

المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية 1

المصدر : صحيفه الركوبه

 

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com