الإثنين , ديسمبر 17 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / الحقوق النوبية وأزمة الخطاب المتعالي

الحقوق النوبية وأزمة الخطاب المتعالي

كتب :خليل المالكي

“على فكرة كلنا مظلومين مش النوبة بس يعنى!”

هكذا قال لي الرجل الجالس بجواري في القطار، عندما سمعني أتحدث عن النوبة والحقوق النوبية، وسألني رجل آخر عندما عرف أني نوبي:

“هو ليه النوبيين بيكرهوا مصر؟!”

أغلب النوبيين تعرّضوا لمثل هذه الأسئلة وكان الرد في الغالب كالآتي:
نحن النوبيون أصحاب حضارة.
نحن النوبيون أصل مصر وأصحابها.
نحن النوبيون أبناء مينا وطرهاقا (ملوك مصريين).

للأسف هذه الردود لا تُجيب عن الأسئلة المطروحة ولا تدفع الاتهام، ومحاولة البحث في التاريخ للتأكد من صحة أن النوبيين هم أصل مصر وأنهم… الخ، أمر ليس من ورائه أي فائدة.

لا أقول هذا لقناعة شخصية ضد التاريخ وأهميته، بل أقول هذا لأن محاولة الاحتجاج بالتاريخ على واقع مُحتقن؛ لا يزيد الأمر إلا سوءا ولا يكون أبدا حلا لهذا الاحتقان، وذلك لأن مثل هذه الردود لا تُقال في الحقيقة للإجابة عن تلك الأسئلة ذات الطابع الاتهامي أو على الأقل هكذا يشعر الطرف الآخر (غير النوبى).الحقوق النوبيه

ليس حوارا للأسف!
تلك الأسئلة والرد عليها لا تكون أبدا على شكل (حوار)، بمعنى أن كل طرف فيه يهتم أن يسمع الأخر وأن يُجيب إجابات واضحة على أسئلته وأن يتفهَّم موقفه.

لذلك فإن النوبيين لا يشغلهم كثيراً –للأسف- أن يقوموا بتوضيح صورتهم أمام قائل هذا الكلام، بل إنهم دائماً يهتمُّون بالحوار الداخلي أو إن شئت سمَّه (الوصايا) فعلى النوبي دائماً أن يتذكر:
نحن النوبيون أصحاب حضارة.
نحن النوبيون أصل مصر وأصحابها.
نحن النوبيون أبناء مينا وطرهاقا…

محاولة للإجابة

لكل شخصية أصولها الحضارية التي تُشكِّلها وتؤثِّر فيها، واختلاف الحضارات يقضي بالضرورة لاختلاف الشخصيات؛ لا تستطيع أن تنتزع شخص من سياق حضارته ثم تُقنعه أن عليه نسيانها إلى الأبد وتُخَوِّنه إذا حَنَّ إليها في يومٍ من الأيام! .. في مصر لا توجد قصة واحدة يمكن أن تُعَمَّم .. في مصر قصص يجب أن تُروى!

يقول رالف لنتون: “لا يكاد أحد ممن اختبروا مجتمعات غير مجتمعاتهم يشك في أن معايير الشخصية تختلف باختلاف المجتمعات”، “الذين لا يعرفون أي حضارة سوى حضارتهم، لا يفهمون حضارتهم ذاتها، … بل إن العالم الكبير فرويد كثيراً ما لجأ إلى الغرائز؛ لتفسير ردود فعل نعتبرها اليوم ثمرة للتكيف الحضاري” (الأصول الحضارية للشخصية، رالف لنتون، دار اليقظة العربية، ص173).

من حق النوبي أن يعتز بحضارته طالما أنه من الطبيعي أن يتأثر بها، مجرد رفض تعريب النوبة، ورفض نسيان اللغة والثقافة وطريقة الحياة النوبية، والمطالبة بالحفاظ عليها والتمسك بها، ليست جريمة يرتكبها النوبيون؛ وهم بذلك لا يميلون للانفصال وخلق هُويَّة مختلفة عن الجميع، إنهم فقط يُنادون بحقٍ لهم لا يستطيعون العيش بدونه أو على الأقل لا يستطيعون نسيانه وعدم الحنين إليه.

بين رفض التعريب والتعايش!

رفض النوبيين للعروبة ليس رفضاً للإسلام؛ فهم مسلمون بالكامل لم يتخلَّف منهم أحد عن الإسلام ولذلك فإن من يرفض تعريب النوبة من النوبيين عليه أن يتذكر أن الإسلام لم يدخل إلى بلاد النوبة عنوة وقهراً، فمعاهدة (البقط) التي أبرمت بين ملك النوبة والصحابي عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه، لم تكن معاهدة بين منتصر ومغلوب، فلم يُذكر فيها أي شيء بخصوص الخراج -المال المدفوع للمسلمين من قبل الدول التي تُفتح عنوةً- بل إن الجانب المُسلم ألزم نفسه بدفع هدايا سنوية لملك النوبة، والتاريخ حافل بأمثلة من التعايش بين النوبيين والعرب منها ما ذكره المسعودي (مروج الذهب للمسعودي، نقلا عن: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، د. مصطفى محمد سعد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص127)، أن بعض العرب من ربيعة وقريش تملَّكوا أراضٍ في مريس -بلد من بلاد النوبة- الأمر الذي لم يرضَه الملك النوبي وقتئِذ “وحاول تسوية هذه المشكلة ودياً وحُجَّتُه في ذلك هي أن النوبيين عبيد لملكهم ولا حق لهم في بيع هذه الأراضى” لكن النوبيون رفضوا الاعتراف بالعبودية لملكهم مُفضِّلين بذلك أن يُجاورهم العرب. ويقول د. مصطفى محمد سعد: “هذا وتؤيد الأبحاث الأثرية في منطقة مريس وجود جاليات عربية مستقرة في هذه المنطقة؛ ذلك أنه عُثر -في غير قليل من الأماكن- بأرض مريس على كثير من الكتابات العربية يرجع تاريخ أقدمها إلى القرن الثالث الهجري -التاسع الميلادي- وتدل كثرة شواهد القبور المكتوبة بالخط العربي وتحمل أسماء عربية، على حياة هادئة مُطمئِنة لجاليات عربية إسلامية في بلاد مريس”.

طبيعة النزاع

الموارد والنفوذ هما السبب وراء الكثير من النزاعات، وليس التعصُّب العِرقي والعنصرية ضد اللون -إن وجدت- إلا غطاء خارجي يُبرِّر النزاع ويُساهم من حِدَّة استقطاب الأنصار لكلا الخِصمين.

النزاع في محافظة أسوان بين النوبيين والصعايدة (العرب) في أكثره يكون على الموارد، فالغالب على النزاع أنه يكون بسبب الفرص في الوظائف الحكومية أو على الأراضي الزراعية -كما في كل الصعيد- أو بسبب توزيع المناطق التي يحِقّ فيها الصيد من بحيرة النوبة (ناصر).

في التاريخ أيضاً ما يؤيد ذلك (ويؤيد أيضاً التعايش بين النوبيين والعرب)؛ ففي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادى) (المصدر السابق ص 160) أرسل الناصر محمد بن قلاوون حملة عسكرية لخلع كنز الدولة -المسلم النوبي العربي الأصل- المدعوم من النوبيين وبعض القبائل العربية، وإجلاس كرنبس -المسيحى النوبي الأصل- وذلك لسبب واضح وهو أن تولية ملك عربي حُكم النوبة يؤدي إلى زوال نفوذ السلطنة المملوكية على النوبة. ولا دخل هنا للتعصُّب للدين أو تفضيل العربي على النوبي إنما فقط المصلحة وما تقتضيه!

في الوقت الحالي قدَّم العرب دعماً رمزياً بالتضامن مع النوبيين في المُطالبة بحقوقهم المشروعة المُتمثِّلة في العودة إلى أراضيهم التي هُجِّروا منها قسرا، وعلى النوبيون الآن أن يُقدِّموا ما يُقوي ويوثق هذه الروابط ويُثبت أن عودة حقوقهم لا تقتضي أبدا ضررا ببقية المكونات السكانية في محافظة أسوان.

مَن يُناضل من أجل العدل؛ يتحالف معه الجميع، ومَن يطمع في أكثر من حقِّه، لا يكسب إلا الأعداء.

المصدر:اضاءات مصر العربيه

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com