الأحد , ديسمبر 17 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / أسوان‏..‏ سمراء النيل ‏(5-6)‏ لماذا يهرب المستثمرون؟

أسوان‏..‏ سمراء النيل ‏(5-6)‏ لماذا يهرب المستثمرون؟

تحقيق وتصوير‏:‏ منال عبيد
صحيح أن محافظة أسوان ترتبط في الأذهان بالسياحة وبأنها محافظة سياحية في المقام الأول لاحتوائها علي عدد كبير من الآثار والمزارات السياحية المهمة التي كان يأتي لها السياح أفواجا خصيصا لزيارتها مع الأقصر والعودة لديارهم مكتفين بما حصلوا عليه من وجبة أثرية وثقافية دسمة‏,‏ إلا أن أسوان كان من المتوقع ألا تتأثر بالركود السياحي بنفس قدر المدن السياحية الأخري ذلك لأنها لا تكتفي بالسياحة بل تمتاز بمساحات زراعية شاسعة تقام عليها صناعات واستثمارات كبيرة‏,‏ إضافة إلي السد العالي وشركات الكهرباء.لذلك توقعت عند زيارتها أنني سأجدها أفضل حالا من المحافظات التي زرتها وكان شبح الركود يخيم علي كل شبر فيها, توقعت أن يستعين أبناء أسوان بزراعاتهم وصناعاتهم علي البطالة, لكن سرعان ما خابت توقعاتي عندما سرت في طرقات المدينة الجميلة الهادئة في أوقات مختلفة من الصباح والمساء فلم تلمح عيني أوجه نشاط سياحي أو تجاري أو صناعي, وكالعادة كانت معظم شكاوي الشباب في المدينة وفي القري المحيطة هي فقط من البطالة.

المنطقة-الصناعية-باسوان

المنطقة-الصناعية-باسوان

حلم.. في حضن الجبل
من فوق جبل صغير تطل قرية نجع المحطة علي النيل, وفي حضن الجبل يقع فندق صغير تمتد جلسته البسيطة داخل المياه في مشهد لا مثيل له في المدينة بأكملها, الفندق له طابع خاص يشبه كتراكت التاريخي فيبدو من بعيد كأنه نسخة مصغرة منه.. ووراء هذا الفندق حكاية يرويها صاحبه باسم جلال38 سنة الذي قال:
حصلت علي دبلوم صنايع قسم نجارة أثاث, لكنني أعمل بالسياحة منذ كنت طالبا وعندما أغلق الفندق الذي أعمل به أبوابه فكرت أن أنشئ مشروعي الخاص بدلا من استسلامي للبطالة وانضمامي لطابور العاطلين في المحافظة, وشجعني عمي الذي يعمل بالخارج علي تحويل الأرض التي تملكها العائلة وضع يد منذ عشرات السنين إلي فندق سياحي صغير علي الطراز النوبي, وبدأت الفكرة بـ250 مترا في حضن الجبل الصخري الذي استلزم عملا شاقا خاصة أن طرقات القرية الجبلية الضيقة غير الممهدة لا تسمح بمرور سيارات النقل ومعدات البناء, فاستغرق25 عاملا العمل لمدة سنتين حتي بدأ البناء في الارتفاع وكبرت الفكرة وتوسعت وظللنا نضيف للفندق غرفا أصبح عددها9 مع قاعة طعام كبيرة تصلح للتأجير في المناسبات واحتل المشروع3 آلاف متر وتكلف حتي الآن3 ملايين جنيه تحت سمع وبصر الدولة, وطوال فترة التنفيذ حاولنا تقنين الأرض حتي نستطيع الحصول علي التراخيص اللازمة لكننا اصطدمنا بقرارات قديمة يتم تطبيقها بعشوائية فتطبق علي البعض ولا يتم تطبيقها علي البعض الآخر كل حسب حظه!! وحتي الآن لم تحل مشكلة الأرض التي تهدد كثيرا من الاستثمارات بالخسارة فأنا لم أحصل علي رخصة سياحية تسمح لي بتشغيل الفندق وتسويقه مما يدفعني لتأجير الغرف من خلال شركات سياحية تحصل مني علي أموال كانت من الممكن أن تذهب لخزينة الدولة, بالإضافة إلي أنني أحصل علي الكهرباء من خلال ممارسة مقابل9 آلاف جنيه كل ثلاثة أشهر, إنني أناشد الدولة بسرعة إنهاء مشكلة تمليك الأراضي حرصا علي مستقبل كثير من الشباب الذين لم يطالبوها بتوفير فرص عمل لهم, بل سعوا لحل مشكلتهم بأنفسهم وبجهدهم ومالهم الخاص.

وادي النقرة
إبراهيم فرح مستثمر آخر له حكاية مختلفة, شاب أسواني في منتصف الثلاثينات كان يعيش في الإسكندرية التي أقام فيها والده مشروعا صناعيا كبيرا وناجحا فقرر العودة إلي بلدته أسوان آملا في أن يكرر بها تجربته الناجحة, اشترت الأسرة منذ8 سنوات الأرض اللازمة لزراعة الخضر والفاكهة التي تلبي احتياجات مدينة أسوان ولإقامة مصنع سكر ومصنع زيوت ومصنع علف ومصنع تعبئة في وادي النقرة أملا في تشغيل عدد كبير من أبناء المحافظة, وأجرت دراسات الجدوي في بيوت متخصصة تكلفت عشرات الآلاف, يكمل إبراهيم القصة الحزينة قائلا:
تقدمنا للمحافظة بأوراقنا كاملة دون أن نطلب دعما ولا مساعدة, وسعينا للحصول علي الموافقات والتراخيص بكل الطرق المشروعة, بل وجلبنا مستثمرين إماراتيين وسعوديين أرادوا الاستثمار في مشروع كبير يبشر بالأمل خاصة أن لنا سابقة نجاح, وطلبت منا المحافظة إحضار متخصصين في جميع المجالات ليقروا بنفعية المشروع, وقمنا بذلك علي يد أفضل الخبراء الذين كتبوا تقريرا شاملا مؤكدين صلاحية المشروع, لكننا فوجئنا بعراقيل وعقبات من جميع الجهات المتخصصة, فالري تخصص لنا مصارف جافة وعندما نشكو للمحافظ يحيل الشكوي لوزارة الري التي تحيلها لوكيلها في أسوان فيصبح هو الجاني والقاضي! حتي بارت الأرض التي أنفقنا عليها الملايين وهرب المستثمرون الأجانب بعدما رأوه من تعنت مكتفين بما خسروه حتي الآن, أما المصانع فلم نحصل علي ترخيص واحد حتي الآن رغم مخاطبتنا لكل الجهات المعنية بما فيها رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية, والرد الوحيد الذي جاءنا كان هو أن علينا إقامة المصانع في المنطقة الصناعية, رغم عدم الجدوي الاقتصادية لذلك لبعدها عن الأرض الزراعية التي ستقوم عليها الصناعات, وأيضا للعراقيل والمشكلات التي تغرق فيها المنطقة الصناعية المزعومة, مما دفع والدي لليأس والرحيل من أسوان وأظل أنا هنا ساعيا وراء أمل أخير في أن تستجيب الدولة لإنقاذ استثمارات كبيرة من الفشل.

المنطقة الصناعية… بلا صناعة
بعد أن أصر إبراهيم لاصطحابي إلي وادي النقرة, وشاهدت بعيني الأفدنة التي كانت تعد بالخير الكبير وقد ماتت فيها الشجيرات الصغيرة من العطش, وشاهدت المصرف العطن بلا مياه, وأجهزة الري الحديثة التي جاء بها المستثمر العربي وتركها خلفه في الأرض البور, والصوبات الزراعية التي تكلفت عشرات الآلاف وتحولت إلي خراب, واطلعت علي أوراقه واستغاثاته التي تثبت موافقة الجهات المختصة ثم تراخيها بعد ذلك بحجة أن عليه البناء في المنطقة الصناعية, قررت زيارة تلك المنطقة الصناعية.
الجواب يبان من عنوانه… لم أشعر بالتفاؤل عندما شاهدت البوابة المتواضعة المهدمة التي ما أن تعبرها ستشعر أنك دخلت إلي منطقة حرفيين تحتوي علي عدة ورش ميكانيكا وسمكرة سيارات!! وبعد قليل من التجول داخل المدينة ستدرك أنه لا يعمل بها سوي هذه الورش الصغيرة بالإضافة إلي عدد من مصانع الرخام والجرانيت, أما بقية المصانع فهي مغلقة أو مهجورة تغطي أبوابها الحشائش كأنما لم تفتح من سنوات.
قال أسطي خالد عامر45 سنة سمكري سيارات المحافظة تمنع تشغيل ورش في زمام المدينة والمكان المسموح الوحيد هو هنا في المنطقة الصناعية, لذلك تقدمت بطلب لتخصيص ورشة لكنهم أخبروني أنها بيعت بالكامل فاضطررت لتأجير الورشة من أصحابها الذين اشتروها دون أن يستحقوها مثل معظم من حصلوا علي الأراضي هنا وحرموا منها المستحقين الحاليين, والإيجار يزيد سنويا حتي وصل إلي ألف جنيه مما يهددني بإغلاق الورشة, هذه ليست مشكلتي وحدي بل مشكلة كل من يعمل في المنطقة الصناعية التي لم يعد يعمل بها سوي مصنعين أو ثلاثة وعدة ورش معرضة للإغلاق.
أكملت الجولة في المنطقة الصناعية, تأكدت من أنها منطقة خدمية وليست صناعية, المصانع الوحيدة التي تعمل بالفعل هي مصانع الرخام, لمحت ورشة أخري مختلفة عن ورش السيارات, هذه المرة ورشة أخشاب لتصنيع مراكب الصيد, قال صاحبها المعلم محمد عبد النبي:
فاتورة الكهرباء زادت هنا عدة أضعاف, كنت أدفعها100 جنيه شهريا أصبحت300 جنيه! هم لا يراعون أن العمل كاد أن يتوقف بعد غلاء أسعار الخشب الذي يخضع لجشع المستوردين, أصبحنا نبيع بخسارة فالمركب الذي تعاقدت مع الزبون علي15 ألف جنيه ثمنا له أصبح يكلفني20 ألفا ولا أستطيع مطالبة الزبون بالفرق فأدفعه من جيبي!
وفي ورشة خراطة للمعدات البحرية قال صاحبها محمد سبالك40 سنة: التخبط هنا يثير مشكلات كثيرة, فقد فوجئت بالرقابة الصناعية يطلبون مني سجلا صناعيا دون أن يوجهونني لجهة إصداره, وبعد معاناة علمت أنني لا أحتاجه لأنني أصنع لحساب الغير وأخبرتهم بذلك, لكنهم كل عدة أشهر يطالبونني بنفس المطلب ولا حياة لمن تنادي! الجهات تعمل كأنها في جزر منعزلة بما يضر بمصالح المستثمرينس.

المواجهة
وفي مكتب محمد عبد المولي صاحب توكيل سيارات ويملك مركز صيانة في المنطقة الصناعية, أجريت مواجهة بينه هو ومجموعة من المستثمرين وبين محمد الحسيني مدير عام الاستثمار في ديوان المحافظة.
قال عبد المولي: المنطقة الصناعية التي كانت مخصصة لإقامة مصانع ضخمة تسهم في تشغيل أبناء أسوان وتتحول إلي منطقة مصدرة لأسواق إفريقيا, تحولت إلي مجموعة ورش سيارات وبلاط بينما لا تمثل المصانع الحقيقية فيها إلا أقل من10% ومازالوا يسمونها منطقة صناعية! وكل هذا بسبب مشكلات صغيرة لم تجد من يهتم بحلها مثل عدم وجود مواصلات تربط المنطقة بالمدينة التي تبعد عدة كيلومترات, ومثل انقطاع المياه لفترات تؤثر علي التشغيل, وأيضا مشكلة عقود التمليك التي لم نتسلمها كمستثمرين حتي الآن رغم تسديدنا كل المستحقات مما يشعرنا بعدم الاستقرار, هذا غير الروتين الذي نواجهه عندما نرغب في إقامة مصنع فقد تقدمت بطلب لتخصيص أرض لتصنيع قطع غيار السيارات وهو مستوفي تماما فقيل لي استني دورك.
استمع الحسيني لمشكلات المستثمرين ثم فاجأنا بالرد التالي: معظم هذه المشكلات حقيقية للأسف, ونحن كمكتب خدمة المستثمرين لا نستطيع تذليل كل العقبات أمامهم لأن أيدينا مغلولة أمام قوانين الاستثمار العقيمة التي عانيت أنا منها شخصيا كمستثمر قبل أن أصبح مديرا للمكتب, فالمستثمر الذي يريد البدء في مشروع عليه الحصول علي موافقات من17 جهة تستغرق جميعها نحو3 سنوات! نحن نساعده في جمع هذه الموافقات لكن مهما فعلنا يكون المستثمر أخد ديله في سنانه وهرب, المفروض أن يتبع المستثمر جهة واحدة فقط مثلما يحدث في معظم بلاد العالم, لكن علي الجانب الآخر لا نستطيع غنكار أن من بين كل60 مستثمرا يكون هناك2 فقط جادين, وعلينا كمكتب خدمة تحديد هؤلاء الجادين لمساعدتهم وعدم إضاعة الوقت مع غيرهم, أما مشكلات المستثمرين في المنطقة الصناعية هنا فلا نستطيع التدخل فيها لأنها خاضعة لهيئة الاستثمار بقرار جمهوري.
في الحلقة الأخيرة:
خور عواضة نقطة سوداء في ثوب المدينة الآمنة

 

المصدر : الاهرام المسائي