الأحد , ديسمبر 17 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / تراث و مجتمع / أسوان‏..‏ سمراء النيل‏ (4-6)‏ غرب سهيل‏..‏ إنجاز نوبي فريد

أسوان‏..‏ سمراء النيل‏ (4-6)‏ غرب سهيل‏..‏ إنجاز نوبي فريد

تحقيق و تصوير‏:‏ منال عبيد

هل تذكر كل الصور الرائعة التي شاهدتها علي الإنترنت للنيل الصافي يتهادي تحت مراكب شراعية صغيرة‏,‏ وعلي ضفافه بيوت ملونة بالأصفر والأخضر والأبيض عليها رسومات بدائية صارخة الجمال‏,‏

غرب_سهيل

غرب_سهيل

تتدرج سلالمها الصخرية حتي تصل إلي الماء, بينما يمرح أطفال صغار يلمع سمارهم في جلابيبهم البيضاء يلعبون بطائراتهم الورقية فيشيعون البهجة في المكان؟ هل تذكر أنك شاهدت كل ذلك في صورة واحدة ؟ إنها موجودة كما هي علي أرض الواقع.. إنها غرب سهيل.
عندما كنت أشاهد صورها كنت أعتقد أنها تتجمل وتتزين من أجل الصورة, لكن عندما وصلت إلي غرب سهيل كانت إحدي المرات القليلة التي فاقت فيها الحقيقة جمال الصور! دخلتها قبل غروب الشمس بقليل, سارت السيارة في طريق واحد طويل ضيق لا يكاد يسمح بمرورها, علي الجانبين بازارات تمتلئ بما يطلبه السائحون من منتجات يدوية وعطارة وملابس فلكلورية, خلف البازارات مباشرة تبدو البيوت الطينية ملاصقة للنيل لا تعلم أيهما يحتضن الآخر.. صغيرة هي القرية تخترقها من أولها لآخرها في دقائق قليلة
السياح هنا!

آخر مرة رأيت فيها هذا المشهد كانت منذ سنوات طويلة, مشهد السياح من جنسيات مختلفة يسيرون أفواجا في طرقات القرية, يتفقدون البازارات السياحية البسيطة, يملأون المراكب الشراعية في النيل الذي تطل عليه القرية, يركبون الجمال التي تقدم لهم رحلة سريعة فيها, يزورون البيوت النوبية التي فتحت أبوابها لاستضافتهم ويقيمون في الفنادق الصغيرة التي لا يفصلها عن النيل إلا درجات سلمها.

السياح لا ينقطعون عن غرب سهيل طوال العام.. هكذا بدأ أحمد شامبو47 سنة حديثة مضيفا: أنا من أبناء القرية, عملت منذ صغري في السياحة في الغردقة وشرم الشيخ وغيرهما, قريتنا كانت فقيرة يعمل معظم أبنائها خارجها لعدم توفر أي فرص عمل بها في حين كانت قرية غرب أسوان التي تجاورنا قد أصبحت مزارا سياحيا علي خريطة أسوان بحيث لا يفوت أي سائح زيارتها مثلها مثل المعابد والمزارات السياحية رغم عدم تمتعها بما تتمتع به قريتنا من شريط طويل علي النيل, وذلك لقربها من المدينة وسهولة الوصول إليها, ومنذ نحو15 سنة فكر أحد أبناء القرية في جلب الجمال لعمل رحلة قصيرة فيها ليجذب السياح, وكان يمتلك مساحة كبيرة علي النيل فبدأ في بنائها كفندق صغير علي الطراز النوبي لكنه لم يتمكن من إتمام البناء, حتي مر أحد رجال الأعمال القاهريين بالقرية فأعجبه موقعها وهدوءها فاستأجر بيتا صغيرا علي نيله, وبمرور الوقت حوله لإقامة مؤقتة لعائلته وأصدقائه ثم دفعه حماسهم لاستئجار الفندق النوبي وأتم بناءه واستعان بي وبشباب القرية في تشغيله فأسسنا صفحة إلكترونية وتعرف علينا المرشدون السياحيون وبدأوا يأتون بأفواجهم السياحية إلي غرب سهيل بدلا من غرب أسوان, ونشطت سياحة المراكب في القرية وبدأ أهلها يحولون بيوتهم علي ضفاف النيل إلي فنادق بنفس طرازها النوبي الأصيل ودون تكلفة كبيرة, ثم بدأوا في عرض المنتجات النوبية تلبية لحاجة الزوار الذين بدأوا في التوافد بأعداد كبيرة فأنشأوا البازارات وزاد عدد الجمال إلي300 جمل, وتشجعت بعض البيوت لاستضافة السياح لقضاء عدة سويعات بها يشربون الشاي ويتناولون الطعام ويرسمون الحناء ويتعرفون علي الطقوس النوبية, وأصبحت غرب سهيل قرية سياحية متكاملة يأتي إليها السياح لقضاء اليوم أو للإقامة بها عدة أيام, وهي مزار أيضا للسياح المصريين الذين نعتمد عليهم منذ بدأنا لذلك لم تتأثر غرب سهيل بركود السياحة في السنوات الأخيرة لأنها ظلت ملاذ السائح المصري الذي نعتبره أفضل من السائح الأجنبي.

اسوان و معالمها

اسوان و معالمها

ويقول محمد ربيع28 سنة: أنا أيضا من أبناء غرب سهيل, حصلت علي دبلوم الصنايع وبدأت رحلة البحث عن عمل فتقدمت بأوراقي لجميع الوظائف المعلن عنها لكن لم يصبني الحظ, فسافرت للعمل فرد أمن بشرم الشيخ لكن المرتبات هناك أصبحت هزيلة بعد ركود السياحة فعدت إلي قريتي لأعمل بها سفرجي في أحد الفنادق, صحيح أنني أتقاضي ما كنت أتقاضاه في شرم الشيخ لكنني هنا أعيش بين أهلي كما أوفر الكثير من النفقات.
يروي زميله ميسرة أحمد تجربته المختلفة فيقول: أنا أيضا حصلت علي دبلوم صنايع, لكنني عملت هنا في قريتي منذ البداية; حيث كنت أقود الجمال, وكانت السياحة مزدهرة جدا بحيث إنه لم تكن تمر ساعة دون عمل, أما الآن ومهما قلنا إن غرب سهيل تمتلئ بالسياح فالعملية نسبية تماما, يكفي أن تعرفي أن عدد الجمال التي كانت تعمل يوميا بالقرية كان300 جمل وصلت الآن إلي50 فقط مما اضطرني لترك العمل بها وأعمل الآن سفرجي أيضا.

في بيتنا.. سائح
لم يكتف أهل غرب سهيل الذين يملكون بيوتا علي ضفاف النيل بتحويلها إلي غرف فندقية يؤجرونها للسياح بينما عادوا هم للسكن في البيوت الخلفية, لكن بعد نجاح التجربة فكر بعض الأهالي ممن لا يملكون سوي البيت الذي يعيشون فيه, فكروا في الاستفادة من الرواج السياحي الذي تحقق للقرية وضغط الطلب عليها لدرجة حجز غرفها الفندقية القليلة قبلها بعدة شهور, فقرر البعض تقسيم البيت الذي يسكنه إلي جزء خاص به وجزء آخر يؤجره للسياح مستفيدين من رحابة بيوتهم الواسعة.
يقول محمود عباس32 سنة: كنت أعمل مثل معظم أبناء القرية في مجال السياحة, وكنت أنظم رحلات سياحة بيئية عن طريق الإنترنت فأساعد الأفواج علي قضاء بعض الوقت في القرية, وفي عام2013 فكرت في تأجير عدد من غرف البيت الذي أعيش فيه مع زوجتي ووالدي وإخوتي للسياح الذين يرغبون في قضاء ليلة أو أكثر في القرية, طرحت الفكرة علي زوجتي فلم تمانع فأقنعت والدي ووالدتي ثم اشتركت العائلة كلها في تزيين البيت برسومات نوبية زاهية, وتعاون معي أصحاب الفنادق الصغيرة بل رحبوا بتجربتي التي تساعدهم علي توفير مكان إضافي لزبائنهم فهم الذين يرسلون لي ما يفيض عن استيعابهم من زبائن, وأنا أؤجر الغرفة بالإفطار بـ120 جنيها للفرد في الليلة, كما أقدم وجبات طعام نوبي لمن يشاء بسعر60 جنيها, وتقوم نساء عائلتي بالطبخ بأنفسهن, وتساعدهن الجارات عندما يكون العدد كبيرا, ونجحت التجربة فأضفت غرفتين أخريين للبيت, وأتمني لو يستطيع أهل القرية كلهم تطبيق الفكرة لأن هذا سيزيد من قدرة القرية علي استقبال المزيد من السياح مما سيعود بالخير علي الجميع.

ولأن النوبيين معروفون بحبهم للخصوصية وهم أقرب للمجتمعات المغلقة, فقد سألت والدة محمود التي كانت تستمع للحديث عن رأيها في التجربة فقالت: شجعت محمود علي التجربة لأنها مصدر رزق شريف للعائلة كلها, ولا يضايقني إقامة الغرباء معي في نفس البيت لأن بيوتنا واسعة والغرف متباعدة, والجزء المخصص لهم يكاد يكون منفصلا عن الجزء الذي نعيش فيه, ومع أننا نحب خصوصيتنا إلا أننا شعب مضياف وكريم ولا أشعر بالحرج من تقديم الطعام للضيوف بنفسي, كما أنني أقوم بشغل بعض المنتجات اليدوية النوبية التي كادت أن تندثر لأن الفتيات الصغيرات انشغلن بالتعليم ولم يعدن يجدنها, وأعرض مشغولاتي للنزلاء في ركن خاص في البيت وأستمتع كثيرا بذلك.
عادات النوبيين وتقاليدهم
الحاجة زينب رمضان.. هي أكبر معمرة في غرب سهيل, لا يعلم أبناؤها وأحفادها عمرها الحقيقي لعدم دقة شهادات الميلاد وقتها, طلبت منها أن تحكي لي عن عادات النوبيين القديمة في قريتها فتحدثت بلغة نوبية لم أفهم منها حرفا وقام ابنها الحاج ناصر بترجمة ما تقوله لي, قالت الحاجة زينب تزوجت ابن عمي في السابعة عشر من عمري ورغم وفاة زوجي بعد مرور سبع سنوات من زواجنا إلا أنني لم أتزوج بعده احتراما لذكراه, ومازلنا حتي الآن لا نزوج بناتنا إلا للنوبيين حفاظا عليهن وعلي عاداتنا وتقاليدنا التي لم يبق منها في الزواج إلا بعض الطقوس البسيطة, مثل أن العروس ترتدي قبل زفافها فستانا أنيقا مطرزا وتجوب بنفسها مع صديقاتها بيوت القرية وتطرق أبوابها لتدعوهم إلي عرسها, ثم تطوف بالقري المحيطة بها أيضا وهو تقليد مازالت الفتيات يحرصن عليه, ومما تبقي من تقاليد الزواج أيضا أن الفتاة لابد أن تتزوج في بيت أهلها مهما كان زوجها ميسورا لتبقي تحت رعايتهم خاصة في سنوات الزواج الأولي حتي تتأقلم مع حياتها الجديدة, وغالبا يظل الوضع هكذا للنهاية.

عادت الحاجة زينب بذاكرتها إلي الوراء لتتذكر طقوسا اندثرت أو كادت, وقالت بشجن: أتذكر طقوس السبوع الجميلة عندما كانت ترزق إحدي نساء القرية بمولود, ففي اليوم السابع يصنع أهلها بليلة لو كان المولود ذكرا, أو عصيدة لو كانت أنثي, ومع طلعة الشمس تأخذ أقرب النساء كخالته أو جدته المولود إلي شط النيل ويتجمع أطفال القرية فينزلون إلي الماء ويلقون الطعام إلي النيل في سبع رميات ليطعموا أهل الماء يدعون للطفل أثنائها بطول العمر والجاه, ثم يأكلون ما تبقي منه ويغسلون الوعاء بماء النيل ويملأونه منه ويعودون به للأم الوالدة التي تشرب منه ثم يضعون الطفل علي وعاء الوليل ويفتحون عينه للشمس سبع مرات.

تركت الحاجة زينب بسنواتها التي تجاوزت الثمانين, والتقيت مجموعة فتيات تحدثت عنهن نيرمين فتاة العشرين التي لا يعبر اسمها العصري عن ملامحها النوبية الجميلة فقالت: جميع الفتيات هنا يدرسن حتي التعليم المتوسط, وكثير منهن يكملن تعليمهن العالي في جامعة أسوان لذلك انشغلنا عن تعلم الحرف اليدوية التي كانت تتميز بها نساء النوبة, معظمنا يعرف كيفية عملها لكن ركود السياحة وقلة الطلب عليها ساهم في ابتعادنا عنها فالبازارات في غرب سهيل قليلة والمعروض فيها أكثر من الطلب عليها, أما بالنسبة لطقوس الزواج فأنا لا أحب الزواج إلا من رجل نوبي لأنه سيكون الأقرب لثقافتي وتركيبتي وبالتأكيد سيكون ذلك من عوامل نجاح الزواج.
تعارضها يسرا يحيي24 سنة الحاصلة علي دبلوم صنايع قائلة: أحببت زميلا لي في العمل المؤقت الذي التحقت به كمندوبة دعاية وإعلان, وهو ليس نوبيا لذلك اعترض أهلي عليه بشدة لكنني استطعت إقناعهم بأن هذا هو الشخص الوحيد الذي أرغب في الارتباط به فوافقوا وتمت خطبتنا, أما بالنسبة للمشغولات اليدوية التي كنا نتميز بإنتاجها فقد أتقنت صنعها وأسست مشروعي الخاص لكنني اضطررت للتوقف لأنني لم أجد من يقوم بتسويقها, لذلك أطالب الدولة بالاهتمام بتسويق هذه المنتجات قبل أن تندثر تماما.

المصدر : الاهرام المسائي